طلب مستشار أو مدرب تسجيل حساب شركة أو هيئة تسجيل حساب خبير جديد تسجيل حساب مستفيد جديد تسجيل الدخول
طلب استشارة جديد

كيف نبني مجتمعاً يكتشف الموهبة ويحتضنها؟

كيف نبني مجتمعاً يكتشف الموهبة ويحتضنها؟

كتبه. د/ صالح الجهني

الموهبة ليست مشروع مؤسسة... بل ثقافة وطن

في كل مرة نحتفي فيها بإنجاز علمي أو ابتكار وطني أو ميدالية دولية، يتركز الحديث غالبًا حول الشخص الذي حقق الإنجاز.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك.

فلا يوجد إنجاز كبير يولد من فراغ، ولا تنمو الموهبة في بيئة لا تؤمن بها.

خلف كل قصة نجاح، هناك أسرة احتضنت، ومعلم آمن، ومدرسة دعمت، وجامعة طورت، ومؤسسات وفرت الفرص، وقيادات جعلت الإنسان محور التنمية.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: كيف نكتشف الموهوبين؟

بل: كيف نبني مجتمعًا يرى الموهبة قيمة وطنية تستحق أن تُكتشف وتُنمّى وتُستثمر؟

لأن المجتمعات التي تجعل الموهبة جزءًا من ثقافتها، هي المجتمعات الأكثر قدرة على صناعة مستقبلها.

الموهبة تبدأ بثقافة المجتمع

قبل أن تكون هناك اختبارات للكشف، أو برامج للإثراء، أو مراكز متخصصة، هناك ثقافة مجتمعية تحدد كيف ننظر إلى الطفل، وإلى قدراته، وإلى اختلافه.

فالمجتمع الذي يحتفي بالأسئلة، ويشجع الفضول، ويتقبل التجربة، ويمنح الفرصة للمبادرة، يهيئ بيئة تنمو فيها المواهب بصورة طبيعية.

أما إذا كانت الثقافة تميل إلى توحيد الجميع في قالب واحد، فإن كثيرًا من القدرات ستبقى كامنة، ليس لأنها غير موجودة، بل لأنها لم تجد من يراها.

ولهذا فإن بناء مجتمع داعم للموهبة يبدأ بتغيير طريقة التفكير، قبل تغيير البرامج.

من اكتشاف الموهبة إلى اكتشاف الإمكانات

من واقع الخبرة، أرى أن أكبر تحول يمكن أن يحدث في منظومات الموهبة هو الانتقال من البحث عن "الطالب الموهوب" إلى البحث عن "الإمكانات الكامنة" في كل إنسان.

فالقدرات لا تظهر دائمًا في صورة درجات مرتفعة أو إنجازات مبكرة.

بعضها يحتاج إلى تجربة.

وبعضها يحتاج إلى معلم ملهم.

وبعضها يحتاج إلى بيئة تؤمن بأن الاختلاف ليس مشكلة، بل فرصة.

وعندما نتبنى هذا الفهم، فإننا لا نكتشف أفرادًا متميزين فقط، بل نوسع دائرة الفرص أمام آلاف العقول التي قد لا تجد من يلتفت إليها.

كل فرد في المجتمع شريك في صناعة الموهبة

حين نتحدث عن الموهبة، لا ينبغي أن يقتصر الحديث على المختصين.

فالأسرة هي أول من يكتشف.

والمعلم هو أول من يوجه.

والمدرسة هي أول من يحتضن.

والجامعة هي أول من يفتح آفاق البحث والتخصص.

والقطاع الخاص هو أول من يحول الإمكانات إلى قيمة اقتصادية.

ووسائل الإعلام تصنع الوعي المجتمعي.

ومؤسسات المجتمع المدني تعزز ثقافة المشاركة.

أما الدولة، فهي التي تبني السياسات، وتوحد الجهود، وتضمن استدامة العمل.

ولهذا فإن نجاح أي منظومة وطنية للموهبة لا يتحقق عندما تؤدي كل جهة دورها بمعزل عن الأخرى، بل عندما تعمل جميع الأطراف وفق رؤية واحدة، تجعل الإنسان محور التنمية.

المجتمع الذي يحتضن الموهبة... لا يخشى المستقبل

التحديات القادمة لن تُحل بالحلول التقليدية.

والفرص القادمة لن تقتنصها إلا المجتمعات التي تمتلك عقولًا قادرة على التفكير، والبحث، والابتكار.

ولهذا فإن المجتمع الذي يستثمر في مواهبه اليوم، لا يبني مستقبل الأفراد فقط، بل يبني قدرته على مواجهة التحولات الاقتصادية والتقنية والعلمية لعقود قادمة.

فكل موهبة يتم احتضانها اليوم، قد تكون بعد سنوات عالمًا، أو طبيبًا، أو مهندسًا، أو قائدًا، أو رائد أعمال، أو باحثًا يسهم في حل إحدى القضايا الكبرى للوطن.

الموهبة مسؤولية تبدأ من الإيمان بالإنسان

في تقديري، فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة ليس في المباني أو التقنيات أو المشروعات، وإنما في بناء إنسان يؤمن بقدرته على التعلم والإبداع وصناعة الأثر.

وحين يشعر الطفل أن المجتمع يثق بإمكاناته، ويمنحه الفرصة للتجربة، ويحتفي بإنجازه، فإنه ينمو وهو يدرك أن لديه رسالة يمكن أن يقدمها لوطنه.

وهذا الشعور هو بداية كل قصة نجاح كبيرة.

من رعاية الأفراد إلى بناء ثقافة وطنية

إذا أردنا أن نبني مجتمعًا يكتشف الموهبة ويحتضنها، فعلينا ألا نكتفي بزيادة عدد البرامج أو المسابقات.

بل نحتاج إلى ترسيخ ثقافة ترى في كل موهبة مشروعًا وطنيًا، وفي كل طفل فرصة، وفي كل فكرة بداية لابتكار، وفي كل نجاح فردي إضافة إلى رصيد الوطن.

فعندما تصبح الموهبة جزءًا من ثقافة المجتمع، لن نحتاج إلى البحث عنها كثيرًا، لأنها ستجد بنفسها البيئة التي تنمو فيها.

كلمة أخيرة

بعد هذه الرحلة في سلسلة "الموهبة الوطنية: من الاكتشاف إلى قيادة المستقبل"، أزداد قناعة بأن مستقبل الأمم لا يُصنع بالموارد وحدها، ولا بالمؤسسات منفردة، بل بالمجتمعات التي تؤمن بالإنسان، وتمنحه الفرصة، وتبني حوله منظومة متكاملة من الثقة والرعاية والتمكين.

فالطفل الموهوب الذي نحتضنه اليوم، قد يكون العالم الذي يكتشف علاجًا، أو المهندس الذي يبتكر تقنية، أو القائد الذي يصنع تحولًا، أو رائد الأعمال الذي يفتح للوطن آفاقًا اقتصادية جديدة.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا في وعينا جميعًا ليس: أين نجد الموهوبين؟

بل:

كيف نصنع مجتمعًا لا تضيع فيه أي موهبة، ولا تُهدر فيه أي قدرة، ولا يُترك فيه أي حلم دون فرصة؟

لأن الأوطان العظيمة لا تُقاس بعدد ما تمتلكه من موارد، بل بعدد العقول التي تؤمن بها، والطاقات التي تطلقها، والفرص التي تمنحها لأبنائها.

فالموهبة ليست امتيازًا لفئة قليلة... بل ثروة وطنية، وكلما اتسعت دائرة من يكتشفها ويحتضنها، اتسعت دائرة ازدهار الوطن بأكمله.

شارك المقالة:

هل تحتاج إلى استشارة متخصصة؟

احصل على استشارة احترافية من خبرائنا المعتمدين

التعليقات

0 تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذه المقالة!