فجوة التنفيذ الاستراتيجي في المنظمات: كيف يمكن للموارد البشرية تحويل الاستراتيجية من وثيقة إلى سلوك ونتائج؟
كتبه. المستشار/ صالح عمر الرديعان
تحرص المنظمات على إعداد رؤى واضحة وخطط استراتيجية طموحة، وتستثمر وقتًا وجهدًا في تحديد أهدافها ومبادراتها المستقبلية. ومع ذلك، فإن امتلاك استراتيجية واضحة لا يعني بالضرورة نجاح المنظمة في تنفيذها. فكثيرًا ما تكون المشكلة الحقيقية ليست في جودة الاستراتيجية، وإنما في القدرة على تحويلها من وثيقة مكتوبة إلى ممارسات وسلوكيات ونتائج ملموسة.
وهنا تظهر ما يمكن تسميته بـ فجوة التنفيذ الاستراتيجي؛ أي المسافة بين ما تخطط المنظمة لتحقيقه وبين ما يحدث فعليًا في بيئة العمل.
فالاستراتيجية قد تنص على تعزيز الابتكار وتحسين تجربة العملاء ورفع الكفاءة وبناء القدرات البشرية، لكن السؤال الأهم هو: هل انعكست هذه الأولويات على عمل الموظفين اليومي؟ وهل يعرف كل موظف كيف يساهم في تحقيقها؟
إن نجاح الاستراتيجية يبدأ عندما تصبح جزءًا من طريقة عمل المنظمة وليس مجرد أهداف مكتوبة في خطة سنوية.
من الرؤية إلى الموظف:
تبدأ العملية من الرؤية والاستراتيجية، لكن نجاحها يعتمد على قدرة القيادة على ترجمتها إلى اتجاه واضح يفهمه الموظفون.
فالموظف لا يحتاج فقط إلى معرفة ما تريد المنظمة تحقيقه على المدى البعيد، بل يحتاج إلى معرفة ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى وظيفته ومسؤولياته اليومية.
ومن هنا يأتي دور القيادة الاستراتيجية في بناء هذا الرابط؛ فالقائد لا يكتفي بتحديد الأهداف وإنما يوضح الأولويات ويوحد الجهود ويهيئ البيئة التي تساعد الموظفين على تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى أداء فعلي.
وبعد ذلك تأتي الموارد البشرية لتترجم هذه التوجهات إلى أنظمة وممارسات تبدأ من تحديد الأهداف الوظيفية، وتمر بتقييم الأداء والتطوير المهني، وتنتهي بالحوافز والترقيات وبناء القدرات.
وبذلك تصبح العلاقة أكثر وضوحًا:
الرؤية والاستراتيجية ← القيادة ← الموارد البشرية ← أهداف الموظفين ← تقييم الأداء ← التطوير ← التحفيز والترقيات ← الابتكار ← النتائج المؤسسية
هذه السلسلة تمثل رحلة انتقال الاستراتيجية من مستوى التفكير والتخطيط إلى مستوى التنفيذ والنتائج.
الموظف هو نقطة التحول:
قد تمتلك المنظمة أفضل الخطط الاستراتيجية لكنها لن تحقق نتائجها إذا لم تنعكس على سلوك العاملين فيها.
فإذا كانت المنظمة تسعى إلى الابتكار فمن المنطقي أن تشجع موظفيها على تقديم الأفكار والمبادرات، وإذا كان هدفها تحسين جودة الخدمة فيجب أن ترتبط أهداف الموظفين ومؤشرات أدائهم بهذا التوجه، وإذا كانت تسعى إلى تعزيز العمل الجماعي فمن المهم ألا تعتمد أنظمة التقييم والمكافآت على الإنجاز الفردي فقط.
وهنا تبرز أهمية المواءمة بين الاستراتيجية وإدارة الموارد البشرية؛ فالموظف ينبغي أن يشعر بأن ما يُطلب منه في عمله اليومي مرتبط بصورة مباشرة بالأهداف التي تسعى المنظمة إلى تحقيقها.
تقييم الأداء ليس نهاية العام:
من الأدوات المهمة في سد فجوة التنفيذ نظام تقييم الأداء، لكن القيمة الحقيقية للتقييم لا تكمن في استخدامه للحكم على الموظف في نهاية السنة وإنما في قدرته على توجيه الأداء نحو الأولويات الاستراتيجية.
فالمؤشرات التي تقيس أداء الموظف ترسل له رسالة واضحة حول ما تعتبره المنظمة مهمًا ولذلك يجب أن تكون مؤشرات الأداء مرتبطة بالنتائج التي تريد المنظمة تحقيقها وأن تقيس القيمة التي يضيفها الموظف إلى أهدافها.
كما ينبغي أن يكون تقييم الأداء نقطة انطلاق للتطوير وليس مجرد وسيلة للتصنيف أو المفاضلة فإذا كشفت نتائجه عن فجوة في المهارات أو القدرات فإن الخطوة التالية ينبغي أن تكون تطوير الموظف ومعالجة هذه الفجوة.
التطوير والحوافز والترقيات:
لا يمكن للمنظمة أن تطلب من موظفيها تنفيذ توجهات جديدة دون أن تمنحهم القدرات اللازمة لذلك، ولهذا يجب أن يرتبط التطوير الوظيفي باحتياجات المنظمة المستقبلية بحيث يتم الاستثمار في المهارات التي تساعدها على تنفيذ استراتيجيتها، وفي المقابل فإن الحوافز والترقيات تمثل رسالة قوية للموظفين حول السلوكيات والنتائج التي تقدرها المنظمة.
فعندما تكون المنظمة جادة في تعزيز الأداء والابتكار والعمل الجماعي ينبغي أن يظهر ذلك في معايير التقدير والمكافآت والتقدم الوظيفي؛ وإلا فقد تنشأ فجوة بين ما تعلنه المنظمة وما تكافئ عليه فعليًا.
الابتكار نتيجة لبيئة استراتيجية متكاملة:
لا يأتي الابتكار من برامج منفصلة فقط بل ينشأ في بيئة تسمح للموظف بالمشاركة والتجربة واقتراح الحلول والعمل مع الآخرين، وهنا تتقاطع القيادة والموارد البشرية والعمل الجماعي؛ فالقيادة تهيئ البيئة والموارد البشرية تبني الأنظمة الداعمة والموظفون يحولون هذه البيئة إلى أفكار وممارسات جديدة.
وبالتالي يصبح الابتكار نتيجة طبيعية لمنظومة متكاملة وليس نشاطًا منفصلًا عن الاستراتيجية.
كيف يمكن للمنظمات سد الفجوة؟
يمكن للمنظمة أن تبدأ بسؤال بسيط لكنه مهم:
هل يستطيع الموظف أن يرى العلاقة بين عمله اليومي والاستراتيجية التي وضعتها المنظمة؟
إذا كانت الإجابة غير واضحة، فهناك حاجة إلى إعادة النظر في طريقة ترجمة الاستراتيجية إلى أهداف ومؤشرات وممارسات.
ومن أهم الخطوات في هذا الاتجاه:
1- تحويل الأهداف الاستراتيجية إلى أهداف واضحة للإدارات والفرق والأفراد.
2- ربط تقييم الأداء بالأولويات الاستراتيجية.
3- توجيه التدريب والتطوير نحو فجوات القدرات الفعلية.
4- مراجعة الحوافز والترقيات لضمان اتساقها مع الأداء والقيمة.
5- تعزيز العمل الجماعي والتعاون بين الإدارات.
6- منح الموظفين مساحة للمبادرة والابتكار.
ختامًا:
إن التحدي الحقيقي في الإدارة الاستراتيجية لا يتمثل دائمًا في صياغة استراتيجية جيدة وإنما في القدرة على جعلها حاضرة في تفاصيل العمل اليومية.
فالاستراتيجية تبدأ كرؤية ثم تتحول من خلال القيادة إلى اتجاه ومن خلال الموارد البشرية إلى أهداف ومؤشرات وتطوير وحوافز ومن خلال الموظفين إلى سلوك وممارسات، ثم تتحول في النهاية إلى نتائج وابتكار وتقدم مؤسسي.
ومن هنا يمكن النظر إلى الموارد البشرية باعتبارها حلقة وصل أساسية بين ما تريد المنظمة تحقيقه وما يقوم به موظفوها فعليًا.
فكلما كان هناك انسجام بين الرؤية والقيادة والموارد البشرية وأهداف الموظفين وتقييم الأداء والتطوير والحوافز والعمل الجماعي، أصبحت الاستراتيجية أكثر قدرة على الانتقال من الورق إلى الواقع.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!