الشهادات العليا في مهب الترقيات: معضلة تقديم الرخصة المهنية على المؤهل الأكاديمي
كتبه. د/ محمد علي آل متعب
تشهد المنظومة التعليمية حراكًا تطويريًا مستمرًا، إلا أن آليات الترقيات الحالية بوزارة التعليم تثير الكثير من الجدل والنقد، خاصة فيما يتعلق باشتراط اختبار الرخصة المهنية للترقية إلى رتبتي "معلم متقدم" و"معلم خبير"، مع إهمال استثنائي لأصحاب الشهادات العليا (الماجستير والدكتوراه) ومنعهم من الترقية المباشرة بناءً على مؤهلاتهم الأكاديمية.
•تغييب القيمة الأكاديمية للشهادات العليا
إن اختزال سنوات الدراسة والبحث العلمي التي قضاها المعلم للحصول على الماجستير أو الدكتوراه في "اختبار رخصة" مدته ساعة ونصف، يمثل طمسًا للقيمة الفكرية والأكاديمية لهذه الشهادات، وعليه فأصحاب الشهادات العليا ليسوا مجرد ناقلين للمعلومة، بل هم باحثون يمتلكون أدوات التطوير التربوي، ومن الإجحاف مساواتهم بمن لا يملك سوى إعداد تربوي بسيط عبر اختبار يقيس الحفظ والمهارات العامة فقط.
•خلل معايير المفاضلة والتقييم
تعتمد الرخصة المهنية بشكل كبير على اختبارات معيارية قد لا تعكس الكفاءة الحقيقية للمعلم داخل الصف الدراسي، في المقابل؛ تقدم الدراسات العليا تدريبًا مكثفًا على نقد المناهج، واستراتيجيات التدريس الحديثة، وحل مشكلات البيئة الصفية عبر البحوث الإجرائية، بالتالي؛ فإن تقديم "درجة اختبار" على "الخبرة البحثية والأكاديمية" يعد خللاً واضحاً في ترتيب أولويات الكفاءة.
•إحباط الكفاءات وهجرة العقول التربوية
عندما يرى المعلم الباحث أن جهده في نيل شهادة الدكتوراه أو الماجستير لا يشفع له للترقية إلى رتبة "خبير" أو "متقدم" إلا بعبور بوابة اختبار الرخصة المهنية، يصاب بالإحباط الوظيفي، فهذا التهميش يدفع الكفاءات الوطنية المؤهلة إلى الهجرة خارج أسوار المدرسة، إما بالانتقال إلى الجامعات أو بالخروج إلى قطاعات أخرى تُقدر القيمة المضافة للمؤهل العلمي، مما يحرم الميدان التعليمي من قادة تربويين حقيقيين.
•غياب الميزة التنافسية للتعليم
الاستثمار في الكادر البشري هو أساس نجاح أي رؤية تعليمية، وإذا كان النظام التعليمي لا يمنح أصحاب الشهادات العليا ميزة حقيقية ومباشرة في الترقية إلى الرتب القيادية والخبيرة، فإنه يوجه رسالة سلبية للميدان تثبط العزيمة عن مواصلة التعليم المستمر وتطوير الذات أكاديميًا.
•التطلع نحو الحل
خلاصة الأمر، إن تحويل الإنتاج البحثي لحملة الشهادات العليا إلى معيار للترقية المباشرة لرتبتي 'متقدم' و'خبير' هو الاستثمار الحقيقي في رأس المال البشري التعليمي، فالعدالة المهنية تقتضي أن يقود الميدان التربوي مَن أفنوا سنوات عمرهم في البحث والتحصيل العلمي ليكونوا خبراء وموجهين حقيقيين لزملائهم.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!