طلب مستشار أو مدرب تسجيل حساب شركة أو هيئة تسجيل حساب خبير جديد تسجيل حساب مستفيد جديد تسجيل الدخول
طلب استشارة جديد

من التقويم إلى استشراف المستقبل

من التقويم إلى استشراف المستقبل

كتبه: د. سعد حمد الذبياني

   لا أحد يستطيع أن ينكر حجم الجهود التي يبذلها قادة المدارس، ولجان التميز، والمعلمون في الاستعداد لعمليات التقويم، وتحسين الأداء، ومعالجة فرص التحسين التي تكشفها تقارير هيئة تقويم التعليم والتدريب. وهي جهود تستحق التقدير؛ لأنها تعكس التزامًا حقيقيًا بالارتقاء بجودة التعليم، وتطوير البيئة المدرسية، وتعزيز فرص التعلم.

   ومع ذلك، يبرز سؤال يستحق أن نتأمله: هل تكفي معالجة نتائج التقويم لبناء مدرسة قادرة على مواجهة المستقبل؟

   اعتدنا أن ننظر إلى التقويم بوصفه أداة لقياس الواقع، وتحديد جوانب القوة وفرص التحسين، ثم إعداد خطط لمعالجة الملاحظات ورفع مستوى الأداء. وهذه خطوة أساسية لا غنى عنها، لكنها قد لا تكون كافية إذا ظل اهتمامنا محصورًا في تحسين ما هو قائم، دون التفكير في ما قد يكون عليه المستقبل.

   تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقريرها Back to the Future of Education إلى أن الدراسات المستقبلية لا تهدف إلى التنبؤ بما سيحدث، بل إلى مساعدة المؤسسات على الاستعداد لعدة سيناريوهات محتملة، وبناء قدراتها على التكيف مع المتغيرات قبل أن تصبح واقعًا.

   ومن هنا، يمكن أن نعيد النظر في الطريقة التي نقرأ بها تقارير هيئة تقويم التعليم والتدريب. فبدلًا من أن تكون هذه التقارير نهاية عملية التقويم، يمكن أن تصبح بداية لحوار استراتيجي حول مستقبل المدرسة.

   فعندما يكشف التقرير عن ضعف في أحد المجالات، قد يكون السؤال المعتاد: كيف نعالج هذا الضعف خلال العام الدراسي الحالي؟

   لكن السؤال الأكثر عمقًا هو: إذا استمرت هذه المؤشرات كما هي، فكيف سيكون وضع المدرسة بعد خمس سنوات؟

   وبالمثل، عندما تحقق المدرسة مستوى مرتفعًا في أحد المعايير، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: هل حققنا المعيار؟ بل يمتد إلى: هل يمتلك هذا التميز القدرة على الاستمرار في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم؟

   إن الفرق بين السؤالين ليس في الصياغة، بل في طريقة التفكير. فالأول يعالج الحاضر، أما الثاني فيبني المستقبل.

   فالمدارس اليوم لا تواجه تحديات تتعلق بنتائج التقويم فقط، بل تواجه تغيرات متسارعة في التقنيات، والمهارات، وأساليب التعلم، وتوقعات المجتمع، ومتطلبات سوق العمل. ولهذا، فإن المدرسة التي تكتفي بالاستجابة لملاحظات التقويم قد تحقق تحسنًا مرحليًا، لكنها قد تجد نفسها بعد سنوات أمام تحديات لم تستعد لها.

   إن القيمة الحقيقية لتقارير التقويم لا تكمن في كونها تكشف الواقع فحسب، بل في قدرتها على تحفيز التفكير فيما بعد الواقع. فكل مؤشر، وكل ملاحظة، وكل فرصة تحسين يمكن أن تتحول إلى سؤال استراتيجي يساعد المدرسة على بناء جاهزيتها للمستقبل، لا مجرد تحسين نتائجها الحالية.

   ختامًا، يبقى التقويم أحد أهم أدوات تطوير المدارس، لكنه يحقق أثره الأكبر عندما لا يكون غاية في ذاته، بل نقطة انطلاق نحو استشراف المستقبل. فالتقويم يخبرنا أين نحن اليوم، أما الاستشراف فيساعدنا على تحديد أين ينبغي أن نكون غدًا. وبين هذين السؤالين تتشكل المدرسة القادرة على الاستمرار، والتكيف، وصناعة مستقبلها بثقة.

شارك المقالة:

هل تحتاج إلى استشارة متخصصة؟

احصل على استشارة احترافية من خبرائنا المعتمدين

التعليقات

0 تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذه المقالة!