البحوث الإجرائية مدخل إلى التنمية المهنية الحديثة
كتبه. د/ عبدالعزيز عوض العتيبي
ارتفع مستوى معايير التعليم، ومن ثم معايير التنمية المهنية للمعلم، والتي فرضت على المعلمين والمدارس وإدارات التعليم مسؤولية مشتركة، تتمثّل في تصميم أطر للتنمية المهنية الناجعة وتطبيقها، وتنادي الاتجاهات الحديثة بتبنّي مقاربة تزيد من جدوى التنمية المهنية للمعلمين، وتجعلها أكثر قابلية للتطبيق في الصفوف الدراسية، ويشير بتسي ومنيسي
(Betsi & Manesi, 2013) إلى أن المعلمين عادة ما يمرّون بمشاعر سلبية، خاصة في متقبل حياتهم المهنية، ويواجهون معضلات تعليمية صعبة، تمثّل تحدّيًا لهم، وتثير تفكيرهم، وتدفعهم لتحليلها وتقصيها، وتُعدّ هذه الممارسة التحليلية، التي يأخذ المعلم فيها مسافة عن المشهد التدريسي، ويلاحظه عن كثب، ويتفكّر فيه بعمق، ويجمع المعلومات حوله؛ حجر الزاوية في أي بحث إجرائي.
يتكوّن البحث الإجرائي من كلمتين، هما: (بحث)، ويعني الاستدلال والتأمّل وفق منهجية علمية منظمة، و(إجراء) وتعني التدخل أو الفعل أو العمل، فهو إذًا توظيف المعارف والنظريات وتطبيقاتها في حلّ المشكلات ضمن إطار عملي إجرائي موجّه نحو تحسين العمل والممارسات المتصلة به، وحلّ المشكلات المهنية (فريال أبو عواد ونوفل، 2012م).
وعرّفه المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي (2022م) بأنه: "بحـث تطبيقـي موجـّه نحـو حـلّ المشكلات التـي يواجهها التربويون، وتطويـر الممارسات الذاتيـة لهـم عـبر طـرح أسـئلة عـن الوضـع الراهـن، والبحـث عـن أسـاليب جديـدة واختبـار هـذه الأساليب، ثـم التأمّـل في النتائـج؛ بهـدف رفـع مسـتوى ونوعيـة التعليـم والتعلـم" (ص30).
وتشير وثيقة معايير مجال تعلم العلوم الطبيعة -الصادرة عن هيئة تقويم التعليم والتدريب- (2019م) إلى "أن البحث الإجرائي أحد أنواع البحوث ذات النطاق المحدود، ويُطلق عليه أيضًا بحث الممارس، والبحث الذي يقوم به الممارس، والبحث المعتمد على الممارس، ويقوم به المعلمون وغيرهم في بيئة التعليم والتعلم؛ لغرض جمع المعلومات حول كيفية تحسين الممارسات التدريسية، وإحداث تغيير إيجابي في تلك البيئة التعليمية" (ص241).
والمتأمّل في المفاهيم السابقة يجد عدة مسميات للبحث الإجرائي، وكذا الأدب التربوي يزخر بمسميات مختلفة للبحوث الإجرائية، ومن تلك المسميات بحوث الممارسة، وبحوث الفعل، وبحث العمل، والبحث التأمّلي، والبحث الصفي، وبحث المشكلة، والبحث التطبيقي، وتضيف رشيدة طاهر (2010م) مُسمَّى بحوث الأداء، وتعرِّفها بأنها: "بحوث تعتمد على فكرة التأمل الذاتي وأسلوب حل المشكلات، حيث يشعر المعلم بمشكلة معينة فيجري بحثًا حولها، ويضع لها حلولًا" (ص 108)، ويذكر القاعود وبخيت (2009م) أن مُسمّى البحث الإجرائي هو الأشهر بين هذه الـمُسمَّيات.
خصائص البحث الإجرائي:
هناك مجمــوعة من الخصائص التي تتصف بها البحوث الإجرائية، ويتفق كل من مريم الشهري وأخريات (2022م)، والعودة (2015م)، والفقي وآخرين (2014م)، وبن سلمة وآخرين (2008م) على مجموعة من الخصائص التي يتسم بها البحث الإجرائي، والتي من أبرزها ما هو موضح في الشكل الآتي:
وقد أكّدت أوعية وأنشطة التطوير المهني الحديثة على أهمية استراتيجيات التطوير المهني التي تقوم على استراتيجيات "بناء المعرفة" واستراتيجيات "التأمّل والتفكّر"، وتُعَدُّ أنشطة البحوث الإجرائية التشاركية وعاء مهنيًا مناسبًا؛ لبناء المعرفـة من خلال التأمّل والتفكّر والبحث، ويرى بورج وجال (Borg & Gal,1979) المشار إليهما عند عمــر (2009م) أن من أبرز إشكاليات البحث التربوي اتساع الفجوة بين الباحثين والمشتغلين في الميدان التربوي؛ فقد ينتهي البحث بنشره في مجلة تصل إلى المكتبات الجامعية، ولا تصل إلى المهتمين بنتائج البحوث أو من يستفيدون منها أو الممارس التربوي (المعلم) في الميدان، وهنا تكمن أهمية البحوث الإجرائية؛ لكونها تُعَدُّ من أبرز المداخل للتنمية المهنية الحديثة للمعلمين، وترسِّخ البحوث الإجرائية فكرة المعلم الباحث والمعلم المنتج للمعرفة. وتشير مريم الشهري وأخريات (2022م)، والفقي وآخرون (2014م)، وفريال أبو عواد ونوفل (2012م)، وعدس وآخرون (2005م)، إلى أهمية البحوث الإجرائية فيما يلي:
1.تُعدّ أسلوبًا مميزًا من أساليب تفعيل مجتمعات التعلم المهنية في المدرسة بما يحسِّن من كفاءة الأداء التدريسي.
2.يُستخدَم لعلاج أغلب المشكلات التدريسية التي تواجه المعلمين داخل الفصل، وكذلك لتحسين التطبيقات التربوية.
3.يساعد على التخلّص من النمط الروتيني في التفكير، بحيث يُعَدُّ المعلم الباحث جزءًا من الموقف، يتعايش مع طلابه، ويشاركهم أفكارهم وآراءهم.
4.تحسين التواصل بين المعلمين والباحثين التربويين، بما يعزّز التوجّه نحو مشاركة المعلمين في الأعمال البحثية التي تستهدف فهم واقع ممارساتهم ومحاولة تحسينها.
5.تطوير القدرات التأمّلية لدى المعلم، فهو يقوم على التأمّل الذاتي في الممارسات التعليمية من قبل الممارس نفسه بتحقيق فهم أفضل ولإحداث التغيير المنشود.
6.تزوّد الأبحاث الإجرائية المعلمين بأساليب موضوعية علمية؛ لمواجهة مشكلاتهم، بدلًا من اعتمادهم على المحاولة والخطأ أو على الخبرة الشخصية.
وقد أشارت رشيدة طاهر (2010م) إلى وجهة النظر القديمة والحديثة حول المعلم في بحوث الأداء، والشكل التالي يوضح ذلك على النحو الآتي:
شكل يوضح النظرة القديمة والحديثة حول المعلم في بحوث الأداء (البحوث الإجرائية)
إذ تشير الحالة الأولى إلى وجهة النظر القديمة التي تركّز على أن الباحثين التربويين يقومون بإجراء البحوث واستنتاج نظريات منها، ويتم تطبيقها في المدارس في صورة ممارسة (التدريس)، فالمعلم هنا متلق لنتائج البحث.
وتشير الحالة الثانية إلى النظرة الحديثة، حيث يُنظَر إلى المعلمين على أنهم ممارسون للتدريس، ومن خلال تلك الممارسة تواجههم مشكلات، يسعون إلى البحث عن حلول لها، مما يقودهم إلى التوصل إلى مبادئ وأفكار ومعتقدات (نظريات)، فالمعلم هنا ممارس للبحث، ومشارك في إجرائه ومنتج للمعرفة.
وبيّنت سماح الأشقر (2016م) أن البحوث الإجرائية وإن كانت مهمة لمعلمي المواد الدراسية المختلفة؛ فإنها أكثر أهمية لمعلمي العلوم؛ نظرًا لما يشمله ميدان تعليم وتعلم العلوم من مشكلات متنوعة، وذلك في الوقت الذي ينادي فيه التربويون بضرورة تدريب معلمي العلوم في أثناء الخدمة؛ للقيام بأدوارهم الجديدة، ومن هذه الأدوار دور المعلم الباحث، الذي يبحث في كل ما من شأنه تطوير ممارساته المهنية، والرفع من كفاءة طلابه. وتتفق مع ما ذكرته سعاد الفهيد (2021م) في أن متابعة التكوين البحثي في أثناء الخدمة للمعلم الباحث، يكون عن طريق عقد الدورات التدريبية، وتشجيع المعلمين على ممارسة بحوث الأداء في أثناء خدمتهم.
المراجع:
أبو عواد، فريال محمد؛ ونوفل، محمد بكر. (2012م). البحث الإجرائي. عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة.
بخيت، محمد سلامة؛ والقاعود، إبراهيم عبدالقادر. (2012م). أثر برنامج تدريبي مقترح لتنمية مهارات البحث الإجرائي لدى معلمي الدراسات الاجتماعية. مجلة جامعة الملك سعود للعلوم التربوية والدراسات الإسلامية، 24(4)، 1487-1518.
بن سلمه، منصور عبدالعزيز؛ الزغيبي، محمد عبدالله؛ العبدالكريم، راشد حسين؛ والقاسم، وجيه قاسم. (2008م). اتجاهات ومفاهيم وتطبيقات حديثة في التربية. الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر.
الشهري، مريم محمد؛ العريدي، منيرة إبراهيم؛ والشهري، فاطمة محمد. (2022م). كيف تعد بحثًا إجرائيًا في الميدان التربوي. جدة: دار ريادة للنشر والتوزيع.
طاهر، رشيدة السيد. (2010م). التنمية المهنية للمعلمين في ضوء الاتجاهات العالمية. الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة.
عدس، عبد الرحمن؛ عبيدات، ذوقان؛ وعبد الحق، كايد. (2005م). البحث العلمي: مفهومه/ أدواته/ أساليبه. عمان: دار أسامة للنشر والتوزيع.
عمر، سيف الإسلام. (2009م). الموجز في منهج البحث العلمي في التربية والعلوم الإنسانية. دمشق: دار الفكر.
الفقي، إسماعيل محمد، محمد، مصطفى عبد السميع، وعلام، بدوي إبراهيم. (2014م). البحث الإجرائي. عمان: دار الفكر.
الفهيد، سعاد عبد الرحمن. (2021م). المعلم الباحث. جدة: تكوين للطباعة والنشر والتوزيع.
المركز الوطني للتطوير المهني التعليمي. (2022م). دليل احتساب نقاط التطوير المهني للترقية في لائحة الوظائف التعليمية. المملكة العربية السعودية.
هيئة تقويم التعليم والتدريب. (2019). الإطار التخصصي لمجال تعلم العلوم الطبيعية. الرياض: المملكة العربية السعودية.
هيئة تقويم التعليم والتدريب. (2019م). وثيقة معايير مجال تعلَمٌ العلوم الطبيعة. الرياض: المملكة العربية السعودية.
Betsi, S., & Manesi, S. (2013). Collaborative action research projects: The role of communities of practice and mentoring in enhancing teachers’ continuing professional development. Action Researcher in Education, (4), 109–121
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!