ديناميكيات السلوك الإنساني: تحليل استجابات البشر في أثناء الكارثة
كتبه. د. نايف راشد الرحيلي
في اللحظات الأولى من وقوع أي كارثة، يظهر الإنسان كعنصر محوري تتقاطع داخله المعرفة والخوف والغرائز الفطرية. فقبل أن تتحرك أجهزة الطوارئ، وقبل أن تُفعّل خطط الاستجابة، يكون الفرد قد اتخذ بالفعل قرارات مصيرية تحدد ما إذا كان سيخرج من الموقف بسلام أو يدفع ثمناً باهظاً للارتباك أو سوء التقدير. وليس السلوك البشري أثناء الكارثة رد فعل عشوائي، بل هو نتيجة تراكمات نفسية واجتماعية وثقافية تتشكّل على مدى سنوات، وتظهر بوضوح عند اللحظة التي يُختبر فيها وعي الإنسان وقدرته على التصرّف تحت الضغط.
حين يبدأ الخطر، يمر الإنسان بثلاث لحظات متتابعة وسريعة: لحظة الإدراك، ولحظة التفسير، ولحظة اتخاذ القرار. ففي اللحظة الأولى قد يتردد العقل بين تصديق ما يرى أو ما يسمع، وبين إنكار الواقع رغبةً في الهروب من الصدمة. كثير من الناس يسمعون صوت الانهيار أو يشعرون بالاهتزاز الأول لزلزال، لكنهم لا يتحركون فوراً لأن عقولهم لم تستوعب بعد حجم التهديد. وفي اللحظة الثانية يبدأ تفسير ما يحدث، وهنا تتدخل الخبرات السابقة والتعليم والثقافة العامة. شخص شاهد تدريبات إخلاء من قبل قد يكتشف بسرعة أن ما يحدث خطر حقيقي، بينما قد يبقى آخر في حالة ارتباك يحاول الربط بين الأحداث دون أن يصل إلى قرار. ثم تأتي اللحظة الثالثة، وهي لحظة الاستجابة، حيث تتصارع الغريزة مع العقل: غريزة الهروب العشوائي ضد الوعي الذي يملي على الإنسان أن يتصرف وفق خطوات سبق تعلمها أو إدراكها.
ويظهر التأثير الأكبر في هذه اللحظة، إذ تتباين الاستجابات بين من يندفع للهرب بشكل غير منظم ومن يتجمد في مكانه غير قادر على الحركة، وبين من يتخذ سلوكاً جمعياً واعياً يحاول من خلاله مساعدة الآخرين أو توجيه من حوله إلى مخرج آمن. ويعكس هذا التنوع مدى عمق تأثير العوامل النفسية والاجتماعية في الاستجابة للكوارث، فالخوف رغم كونه رد فعل طبيعي قد يتحول إلى قوة شللية تفقد الإنسان القدرة على التفكير، في حين قد يولّد لدى شخص آخر طاقة غير عادية للنجاة أو لإنقاذ الآخرين.
وتبرز أيضاً العوامل الاجتماعية التي تضغط على الفرد لحظة اتخاذ القرار. فقد ينضم المرء إلى سلوك جماعي غير صحيح فقط لأنه شعر بأن اتباع الآخرين أقل خطراً من التحرك منفرداً. وحتى العوامل الثقافية والتعليمية تلعب دوراً لا يمكن إغفاله؛ فالمجتمعات التي اعتادت على التدريب أو شهدت كوارث سابقة تتصرف بدرجة أعلى من الوعي، بينما تظهر في المجتمعات الأقل استعداداً حالات ارتباك واضحة قد تزيد من حجم الخسائر.
ويبرز مثال زلزال تركيا وسوريا في فبراير 2023 كصورة واضحة لمدى تأثير السلوك البشري في مسار الكارثة. فعندما وقع الزلزال عند الساعة الرابعة فجراً، وجد كثير من الناس أنفسهم في مواجهة حدث يفوق توقعاتهم. البعض تجمد في مكانه، وقد وثّقت التسجيلات لحظات صمت تام تبعتها محاولات بطيئة للهرب، تأخّر خلالها كثيرون عن مغادرة المباني المنهارة. آخرون ركضوا في الشوارع بشكل غير منظم، ما أدى إلى إصابات ثانوية كان يمكن تجنبها. ومع ذلك، ظهرت أيضاً صور مشرقة للسلوك الإنساني؛ فهناك من عاد إلى داخل المباني الخطرة لإنقاذ أفراد أسرته أو جيرانه، وهناك من استخدم هاتفه لطلب النجدة أو توجيه البلاغات لفرق الإنقاذ. وبين هذه النماذج المتناقضة نشهد حقيقة جوهرية: الكارثة نفسها ليست ما يحدد حجم الخسائر فقط، بل طريقة تفاعل الناس معها.
أحد أبرز الملامح التي ظهرت خلال هذا الزلزال كان تأثير الثقة في المؤسسات والاستجابة الرسمية. ففي مناطق فقدت فيها الاتصالات أو تأخر وصول فرق الإنقاذ، ساد شعور بعدم اليقين دفع البعض لاتخاذ قرارات ارتجالية، بينما في مناطق استجابت فيها السلطات بسرعة كان السلوك الجمعي أكثر هدوءاً وتنظيماً. ويعكس هذا أن الإنسان لا يستجيب فقط بناءً على ما يراه أو يشعر به، بل أيضاً بناءً على توقعاته حول ما ستفعله الجهات المختصة.
وعلى الرغم من أن السلوك الإنساني يبدو أحياناً غير متوقع، إلا أنه قابل للتحسين بشكل كبير عندما يتم الاستثمار في التوعية والتدريب. فالمجتمعات التي تمارس تمارين الإخلاء وتستمع إلى برامج التوعية تعرف تماماً كيف تتصرف عند وقوع الخطر، وتقلّ فيها حالات الفزع والتردد. كما أن تعزيز الثقة بين الأفراد والمؤسسات، ونشر ثقافة الوقاية، وتنظيم حملات تثقيفية موجهة خصوصاً للطلاب والشباب، هي عوامل يمكن أن تحول مسار الكارثة من حدث مدمر إلى تجربة تتم إدارتها بكفاءة ووعي.
يظهر بوضوح أن الإنسان ليس مجرد متلقٍّ سلبي للكارثة، بل هو عنصر فاعل يحدد بسلوكه سواء كان واعياً أو عفوياً حجم وتأثير ما يحدث. فقد يكون الخطر طبيعياً، لكن الاستجابة البشرية هي التي تحدد ما إذا كان الحدث سيبقى حادثة عابرة، أم يتحول إلى كارثة واسعة النطاق. ويبقى جوهر الأمر أن فهم السلوك البشري ضرورة أساسية لبناء مجتمعات صامدة في مواجهة الكوارث.
انتهى،،،
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!