تسجيل حساب شركة أو هيئة تسجيل حساب خبير جديد تسجيل حساب مستفيد جديد تسجيل الدخول
طلب استشارة جديد

المعلم والتطوير المهني: من تنفيذ الدرس إلى البحث في الممارسة

المعلم والتطوير المهني: من تنفيذ الدرس إلى البحث في الممارسة

كتبه. د/ عبدالعزيز عوض العتيبي

لم يعد السؤال الأهم في التعليم اليوم: كم درسًا أنجز المعلم؟ وكم صفحة غطاها من المقرر؟ بل أصبح السؤال الأكثر دلالة: ماذا تعلم الطالب فعلًا؟ وما الذي أصبح قادرًا على فهمه وتفسيره وتطبيقه؟

هذا التحول في السؤال يلخص جانبًا مهمًا من فلسفة التعليم القائم على المعايير بوصفه أحد التوجهات الحديثة في تطوير التعليم. فالمعيار لا يحدد فقط ما ينبغي تقديمه للطالب، وإنما يحدد ما ينبغي أن يصل إليه من معرفة وفهم وأداء، ثم تتكامل المناهج والممارسات التدريسية والتقويم والتطوير المهني لتحقيق ذلك.

وقد اتجهت المملكة العربية السعودية إلى تبني هذا المنظور ضمن مسيرة تطوير التعليم وتحسين نواتجه، وتظهر ملامحه في الوثائق التي أصدرتها هيئة تقويم التعليم والتدريب، ومنها الإطار التخصصي لمجال تعلم العلوم الطبيعية، ووثيقة معايير مجال تعلم العلوم الطبيعية، ووثيقة نواتج التعلم للاختبارات الوطنية في مجالات القراءة والرياضيات والعلوم الطبيعية، ومستويات الأداء للاختبارات الوطنية (نافس).

وتؤكد وثائق الهيئة أن تعليم العلوم يستند إلى تحديد ما ينبغي أن يتعلمه المتعلم ويفهمه ويستطيع أداءه، وأن المعايير لا تنفصل عن عمليات التعليم والتعلم والتقويم. كما يرتبط تعليم العلوم في هذا التصور بالممارسات العلمية والهندسية، وبناء الفهم العميق، وتوظيف المعرفة في تفسير الظواهر وحل المشكلات.

ويمتد هذا التحول إلى المعلم نفسه؛ فنجاح التعليم القائم على المعايير يحتاج إلى معلم يستطيع قراءة المعايير وتحليلها، وترجمتها إلى خبرات تعلم، وجمع الأدلة على تعلم طلابه، ثم استخدام هذه الأدلة في تحسين التدريس. وفي هذا السياق تأتي دراسة العتيبي الموسومة «برنامج تدريبي مقترح قائم على المعايير المهنية لمعلمي العلوم وأثره في تنمية مهارات البحث الإجرائي التشاركي» لتؤكد أهمية ربط المعايير بالتطوير المهني والبحث في الممارسة التعليمية وتحسينها.

ومن هنا يمكن النظر إلى توجهات وزارة التعليم، وهيئة تقويم التعليم والتدريب، والمعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي ضمن مسار متكامل يبدأ من تحديد التعلم المستهدف، ويمتد إلى التدريس والتقويم والتطوير المهني، وينتهي بأثر ينبغي أن يظهر في تعلم الطالب.

من تدريس المحتوى إلى بناء أداء المتعلم

يكمن أحد أهم التحولات التي أحدثها التعليم القائم على المعايير في إعادة النظر في معنى إتقان المحتوى. فلم يعد مجرد تقديم المعرفة دليلًا كافيًا على حدوث التعلم؛ لأن معرفة الطالب بالمفهوم لا تعني بالضرورة قدرته على استخدامه.

وتفرق وثيقة معايير مجال تعلم العلوم الطبيعية بين معيار المحتوى ومعيار الأداء؛ فالمحتوى يحدد ما ينبغي أن يتعلمه الطالب ويفهمه، بينما يرتبط الأداء بما يستطيع المتعلم القيام به في ضوء هذا التعلم. ويجعل هذا التفريق من أداء الطالب شاهدًا أكثر دلالة على تحقق التعلم.

فالطالب قد يعرف مفهوم القوة، لكنه لا يستطيع استخدامه في تفسير حركة جسم. وقد يحفظ مكونات النظام البيئي، لكنه يعجز عن تفسير ما يحدث عندما يتغير أحد مكوناته. وقد يعرف خطوات التجربة العلمية، لكنه لا يستطيع تحليل بياناتها أو الوصول منها إلى استنتاج منطقي.

هنا يظهر الفرق بين امتلاك المعلومة والقدرة على توظيفها.

ولهذا ينبغي أن يبدأ التخطيط للتدريس بسؤال يتجاوز المحتوى نفسه: ما الذي ينبغي أن يصبح الطالب قادرًا على أدائه بعد تعلم هذا المحتوى؟ وما الأدلة التي ستكشف للمعلم أن التعلم قد تحقق؟

كما أن المعايير تنظر إلى التعلم باعتباره بناءً متدرجًا عبر الصفوف والمراحل، وليس موضوعات منفصلة تنتهي بانتهاء الدرس أو الوحدة. فمعايير الأداء تتدرج في مستوى العمق والتعقيد، بما يجعل ما يتعلمه الطالب في مرحلة أساسًا لما سيواجهه في المراحل اللاحقة.

وهذا يضع أمام المعلم مسؤولية مهمة؛ فهو لا يشرح درسًا معزولًا، وإنما يسهم في بناء مسار تعلم ممتد. ومن هنا يصبح التدريس القائم على المعايير انتقالًا من سؤال «ماذا شرحت؟» إلى سؤال «ماذا تعلم الطالب وأصبح قادرًا على فعله؟».

تعليم العلوم القائم على الممارسة وبناء الفهم

يقدم الإطار التخصصي لمجال تعلم العلوم الطبيعية تصورًا حديثًا لبنية تعلم العلوم يقوم على ثلاثة محاور مترابطة: المعرفة والفهم، والممارسات العلمية والهندسية، والقضايا المشتركة. وهي بنية تجعل المعرفة جزءًا من ممارسة أوسع، فلا يتعلم الطالب المفهوم بمعزل عن استخدامه وتطبيقه وتفسير الظواهر من خلاله.

ولهذا حدد الإطار مجموعة من الممارسات العلمية والهندسية تشمل: طرح الأسئلة العلمية وتحديد المشكلات الهندسية، وبناء النماذج واستخدامها، والتخطيط للاستقصاءات وإجرائها، وتحليل البيانات وتفسيرها، واستخدام الرياضيات والتفكير الحاسوبي، وبناء التفسيرات العلمية وتصميم الحلول الهندسية، والاعتماد على الحجة والدليل العلمي، والحصول على المعلومات وتقويمها وإيصالها.

هذه الممارسات تعيد تشكيل درس العلوم من الداخل. فالسؤال العلمي يصبح مدخلًا للتعلم، والتجربة وسيلة للبحث عن الدليل، والبيانات مادة للتحليل، والنموذج أداة للتفسير، والحوار العلمي فرصة لبناء الحجة ومناقشة الأدلة.

وهنا تتغير أيضًا طبيعة دور المعلم. فبدلًا من أن يقدم السؤال والإجابة والتفسير معًا، يصمم مواقف تجعل الطالب يفكر ويستقصي ويقارن ويبرر ويعيد النظر في تفسيره.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية المعرفة العلمية؛ بل على العكس، فالممارسة العلمية الجيدة تحتاج إلى معرفة رصينة. لكن الفرق أن المعرفة لم تعد نهاية التعلم، وإنما أصبحت أداة يستخدمها الطالب في التفكير والتفسير واتخاذ القرار.

كما يتجه تعليم العلوم القائم على المعايير إلى التركيز على الأفكار المحورية والفهم العميق بدلًا من ازدحام التعلم بالتفاصيل. فالنمو المتسارع للمعرفة يجعل من غير الممكن أن يتعلم الطالب كل شيء، ولذلك تصبح الأولوية للأفكار العلمية التي تساعده على فهم ظواهر متعددة، وحل المشكلات، والانتقال بالمعرفة إلى سياقات جديدة. ويشير الإطار التخصصي إلى أهمية التركيز على مجموعة محددة من الأفكار العلمية بما يتيح اكتشافًا أعمق للمفاهيم والنمو في استخدام المعرفة وإنتاجها.

ويمكن اختصار هذه الفلسفة في قاعدة تربوية مهمة: عمق التعلم أهم من كثافة المحتوى.

 من نواتج التعلم إلى نافس: ماذا تخبرنا النتائج؟

إذا كانت المعايير تحدد ما ينبغي أن يصل إليه الطالب، فإن نواتج التعلم تجعل هذا المتوقع أكثر تحديدًا وقابلية للملاحظة والقياس.

وتوضح وثيقة نواتج التعلم للاختبارات الوطنية أن هذه النواتج تمثل تطبيقًا عمليًا للإطار المرجعي للاختبارات الوطنية، وأنها تستخدم لتوجيه عمليات القياس والتقويم وتوفير بيانات تراكمية موثوقة حول مستوى تحقيق المتعلمين والمدارس لنواتج التعلم المستهدفة. كما تستهدف رصد تقدم أداء المتعلمين والمدارس والكشف عن مستوى تحقق نواتج التعلم الأساسية وفق المعايير الوطنية.
ومن هنا تتشكل علاقة مترابطة بين عناصر العملية التعليمية:

المعيار يحدد التعلم المستهدف، والتدريس يبني فرص تحقيقه، وناتج التعلم يصف ما ينبغي أن يظهر في أداء الطالب، والتقويم يجمع الأدلة، والنتائج تكشف مقدار التحقق والفجوات التي تحتاج إلى معالجة.

وتأخذ هذه الفكرة بعدًا أكثر وضوحًا عند قراءة نتائج الاختبارات الوطنية (نافس). فالدرجة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لفهم تعلم الطالب؛ ولذلك تقدم مستويات الأداء وصفًا لما يستطيع المتعلم القيام به في كل مستوى من مستويات الكفاءة، من المستوى المنخفض جدًا إلى المستوى المرتفع. وتوضح وثيقة مستويات الأداء أن تصنيف الطالب في مستوى معين يعني أنه يتقن كذلك المهارات الموصوفة في المستويات الأدنى منه.

وفي العلوم يظهر الفرق بوضوح. فالطالب في المستوى المرتفع لا يكتفي بالتعرف على المفاهيم، وإنما يستطيع تصميم التجارب وإجراءها وتحليل البيانات، وتقديم تفسيرات منطقية، واستخدام الأدلة العلمية، والتنبؤ وتفسير العلاقات وبناء النماذج.

أما المستويات الأدنى فيغلب عليها التعرف والوصف واستدعاء المفاهيم الأساسية.

وهذا الفرق مهم للمعلم؛ لأنه ينقل قراءة النتائج من سؤال «كم حصل طلابنا؟» إلى سؤال أكثر فائدة: «ما نوع الأداء الذي يستطيع طلابنا إنجازه، وأين تتوقف قدرتهم، وما الخبرات التعليمية التي يحتاجون إليها للانتقال إلى مستوى أعلى؟»

ومن الخطأ هنا اختزال تحسين نتائج نافس في تدريب الطلاب على نماذج الأسئلة؛ لأن ضعف الطالب في تحليل البيانات، على سبيل المثال، لا يعالج بكثرة الأسئلة وحدها، وإنما بإتاحة فرص متكررة لتحليل البيانات داخل الدرس. وضعف بناء التفسير العلمي لا يعالج بحفظ تفسيرات جاهزة، بل بمواقف يطلب فيها من الطالب تفسير الظواهر والاستدلال عليها.

وبذلك تتحول نتائج نافس من أرقام للمقارنة إلى أدلة للتحسين.

 المعلم والتطوير المهني: من تنفيذ الدرس إلى البحث في الممارسة

مهما بلغت جودة المعايير وأدوات القياس، فإن أثرها الحقيقي يظهر داخل غرفة الصف. ولذلك يبقى المعلم محور الانتقال من الوثيقة إلى الممارسة.

وفي التعليم القائم على المعايير يتجاوز دور المعلم تقديم المحتوى؛ فهو يحلل المعيار، ويحدد التعلم المستهدف، ويصمم المهمة المناسبة، ويجمع أدلة تعلم طلابه، ويفسرها، ثم يتخذ قراراته التدريسية في ضوئها.

وهذا التحول يتطلب مفهومًا أكثر عمقًا للتطوير المهني، فلا يكون التدريب منفصلًا عن مشكلات الصف واحتياجات الطلاب، وإنما ينطلق منها ويعود إليها.

وفي هذا السياق تكتسب دراسة العتيبي الموسومة «برنامج تدريبي مقترح قائم على المعايير المهنية لمعلمي العلوم وأثره في تنمية مهارات البحث الإجرائي التشاركي» أهمية خاصة؛ لأنها تربط بين المعايير المهنية لمعلم العلوم وبين البحث الإجرائي التشاركي، بما يعزز دور المعلم بوصفه باحثًا في ممارسته، لا مجرد منفذ لها.

ويبدأ هذا النوع من البحث من مشكلة حقيقية: لماذا يواجه الطلاب صعوبة في تفسير البيانات؟ لماذا يعرفون المفهوم ولا يستطيعون تطبيقه؟ لماذا ينجحون في الأسئلة المباشرة ويتراجع أداؤهم عندما يحتاج السؤال إلى استدلال؟

ثم ينتقل المعلم وزملاؤه من الانطباع إلى الدليل؛ فيجمعون البيانات، ويحللون المشكلة، ويصممون تدخلًا، ويطبقونه، ثم يقيسون أثره.

وهنا يلتقي التعليم القائم على المعايير والبحث الإجرائي ومجتمعات التعلم المهنية عند فكرة واحدة: التحسين المبني على الأدلة.

كما يقود ذلك إلى إعادة النظر في تقويم التطوير المهني نفسه. فلا يكفي أن نسأل بعد البرنامج التدريبي: هل كان المحتوى جيدًا؟ وهل كان المتدرب راضيًا؟ بل ينبغي أن يمتد السؤال إلى أثر أكثر عمقًا: هل تغيرت ممارسة المعلم؟ وهل انعكس هذا التغير على تعلم طلابه؟

ومن هذا المنظور يصبح التطوير المهني حلقة في دورة تحسين تبدأ من بيانات التعلم، وتحدد في ضوئها الاحتياجات المهنية، ثم تبنى البرامج والممارسات التطويرية، ويقاس أثرها مرة أخرى في الصف.

 تكامل الأدوار... من المعايير إلى تحسين التعلم

يقوم التعليم القائم على المعايير على تكامل الأدوار بين وزارة التعليم وهيئة تقويم التعليم والتدريب والمعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي؛ فالوزارة تقود العمل التعليمي وتترجم التوجهات إلى ممارسات في الميدان، فيما تسهم الهيئة في بناء الأطر والمعايير وقياس نواتج التعلم والكشف عن مستويات الأداء، ويأتي التطوير المهني داعمًا لقدرة المعلمين والقيادات على تحويل هذه المعايير والنتائج إلى ممارسات أكثر فاعلية. ويؤكد الإطار التخصصي أهمية هذا الامتداد حين يضع القيادات التعليمية والقائمين على برامج التطوير المهني لمعلمي العلوم والممارسين التربويين ضمن الفئات المعنية بالوثيقة.

وبهذا التكامل تتشكل دورة تحسين مترابطة تبدأ بتحديد التعلم المستهدف، وتمر بالتدريس والتقويم وتحليل النتائج، ثم توجيه التطوير المهني لمعالجة فجوات الأداء، لتعود آثار التحسين إلى الصف في صورة تعلم أفضل.

فالغاية من تكامل أدوار وزارة التعليم وهيئة تقويم التعليم والتدريب والمعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي، ألا تبقى المعايير في الوثائق، ولا تنتهي نتائج التقويم في التقارير؛ بل أن تتحول إلى ممارسة واعية في يد المعلم، وأثر ملموس في تعلم الطالب، وتحسين مستدام في المدرسة.

المراجع

هيئة تقويم التعليم والتدريب. (2019). معايير مجال تعلم العلوم الطبيعية. الرياض: هيئة تقويم التعليم والتدريب.

هيئة تقويم التعليم والتدريب. (2019). الإطار التخصصي لمجال تعلم العلوم الطبيعية. الرياض: هيئة تقويم التعليم والتدريب.

هيئة تقويم التعليم والتدريب. (2026). وثيقة نواتج التعلم للاختبارات الوطنية في مجالات القراءة، الرياضيات، والعلوم الطبيعية. هيئة تقويم التعليم والتدريب.

هيئة تقويم التعليم والتدريب. (2026). مستويات الأداء للاختبارات الوطنية (نافس). هيئة تقويم التعليم والتدريب.

العتيبي، عبدالعزيز عوض ماطر. (2025). برنامج تدريبي مقترح قائم على المعايير المهنية لمعلمي العلوم وأثره في تنمية مهارات البحث الإجرائي التشاركي. مجلة جامعة مطروح للعلوم التربوية والنفسية، 7(10)، 170–229.

شارك المقالة:

هل تحتاج إلى استشارة متخصصة؟

احصل على استشارة احترافية من خبرائنا المعتمدين

التعليقات

0 تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذه المقالة!