د. منصور سعيد القرني
د. منصور سعيد القرني
العلوم الأمنية - دراسات أمنية
408
العلوم الأمنية - دراسات أمنية
أمن وطني

التكامل الدولي في معالجة التطرف العنيف

التكامل الدولي في معالجة التطرف العنيف
559
التكامل الدولي في معالجة التطرف العنيف

التكامل الدولي في معالجة التطرف العنيف

كتبه الدكتور/ منصور بن سعيد القرني

في العقدين الماضيين ظهر فكر التطرف والسلوك العنيف على أنه أبرز مشكلة خطيرة على الساحة الدولية، لكنه كان أكثر أثراً وتأثيراً على الساحة الاسلامية والعربية، وقد أسهم في ظهور هذه المشكلة وعنفها وعمقها، توفر البيئة المناسبة في الدول التي كانت ميدانًا للثورات والاقتتال، حيث تربى وترعرع في أحضانها، وما زالت إلى اليوم توفر له البيئة الحاضنة، فيها ومنها يمارس نشاطه الإرهابي، ويبث سمومه الفكرية المتطرفة. والأهم من ذلك أن هذه البيئة إلى جانب تقاعس أو تغاضي بعض أعضاء المجتمع الدولي في ترجمة الأقوال إلى أفعال في الحرب على الإرهاب، كانت سبباً مهماً بمدِّه بإكسير الحياة والاستمرارية، ومنحته مرونة التحرك وتنفيذ أعماله الإرهابية هنا وهناك، وربما بكل يسر وسهولة.

اليوم الكثير من الدول، إن لم يكن المجتمع الدولي كله، يتحدث عن فكر التطرف والسلوك الإرهابي، وعن الأخطار الاجتماعية التي يخلفها، سواءً أكان في الجانب الإنساني أم في الجانب السياسي أم في الجانب الاقتصادي ... إلخ. لكن على الرغم من ذلك، فإن الجهود المتخذة لمحاربته ومكافحته ومعالجته ما زالت دون المستوى المطلوب، ولا تتوافق والخطر الذي يهدده السلوك الإرهابي. وهذا لا ينفي وجود دول قد اتخذت كل السبل والإجراءات التي تكافح بها المنظومة الإرهابية، في خطوة متقدمة آتت أكلها بصورة إيجابية ومطمئنة، وعلى كل المستويات، بل وأصبحت تملك تجربة رائدة في مكافحة ومعالجة فكر التطرف والسلوك العنيف.

وعليه، نؤكد أن التطرف العنيف يهدد المجتمع الدولي بأسره، سواءً أكان ذلك بطريقة مباشرة بممارسة الفعل والسلوك الإرهابي، أم بصورة غير مباشرة من خلال تهديد المصالح وإلحاق الضرر بها. وعلى الرغم من ذلك فهناك من الدول من تدعم الإرهاب أو ترعاه أو تسانده أو تستخدمه، أو تقدم له الدعم اللوجستي بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو تتغاضى عنه وعن أنشطته؛  هذه الدول الراعية أو الداعمة قد تظن أنها ستكون في مأمن من ارتداد مثل تلك الافعال الإرهابية إليها، وهذا مفهوم خاطئ؛ لأن الإرهاب ومن يقوم به يمتلكون العقلية البرغماتية، فالغاية لديهم تبرر الوسيلة التي تحقق أهدافهم، لذلك لن يجدوا أي غضاضة أو حرج في تنفيذ عملياتهم الإرهابية أو بعض منها داخل أراضي تلك الدول الداعمة لهم، ومن ثم لا بد أن تكتوي دول الدعم المتنوع الأشكال بنار الإرهاب الذي يحاولوا الاستفادة منه أو توظيفه لمصالحهم وفي إلحاق الضرر بدول ومجتمعات أخرى. وسوف تكشف لنا الأيام المقبلة مدى صحة هذه الرؤيا.

وبالتالي، فإن التطرف العنيف أصبح يشكل تهديداً كبيرا للسلم والأمن وازدهار الـشعوب. ومع أن الكثير من الدول تواصل اتباع استراتيجية قوية وشــاملة، عوقت كثيراً جهــود وانشطة الجماعات المتطرفة وعطلت الـشبكات الإرهابيـة. إلاّ أن تلك الجماعات وحسب سيكولوجيتها لا تستسلم بالسهولة، كما أن وبوسعها التكيف مع التدابير التي يتم تبنيها من قبل بعض الدول في مواجهتهم، فهي تعتقد أنها تخوض حرب مع الأعداء، وتؤمن بأن الحرب مع العدو سجال يوجب الاستمرارية، بالنظر إلى قناعاتهم أنهم على الحق المبين، الذي له صولات وجولات مع الباطل وإن حقق بعض من الجولات، وأيضاً يعزز هذا الاتجاه لديها، توفر وسائل التكنولوجيات الحديثة، التي تمكنهم من تجنيد العناصر وجذبهم، وأيضاً الحصول على التمويل ومن أكثر من مصدر، فضلاً على البث الإعلامي الدعائي والتبرير لها، ولأفعالها الإرهابية.

لذلك رأينا الكثير من الأعمال الإرهابية التي جرت في أكثر من دولة إسلامية وغير إسلامية، خلال السنوات الماضية، والكيفية التي تتنقل بها تلك الجماعات من منطقة إلى أخرى، ولعل منطقة الغرب الأفريقي اليوم هي الأوفر نصيباً لهذه الجماعات، وتحديداً منطقة الساحل، والتي أصبحت ساحات مفتوحة أمام العديد من الفصائل الإرهابية التي تتبع تنظيم بوكو حرام وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وأيضا أفرع تنظيم داعش الذي أنتشر في الكثير من الدول والمناطق كانتشار النار في الهشيم. وهذه الجماعات ربما وجدت في هذه الدول فرصة استعادة بريقها الذي أفل في مناطق ودول أخرى، وكأنها تقول لا زلنا موجودين ومؤثرين وسنواصل كفاحنا ضد الأعداء، لكيلا ينعم المجتمع الدولي بالأمن والأمان، بل يظلّ يترقب ويتوجس خيفة؛ أيضاً قد تجد هذه الجماعات أن دول الساحل الأفريقي توفر الملاذات الآمنة التي تمكنها من إعادة استراتيجيتها، واعتماد تكتيكات جديدة، تسعى من خلالها للبحث عن الأهداف المؤثرة المحتملة لأن تكون مستهدفة بأفعالها وسلوكياتها الإرهابية.

من المهم لفت النظر، إلى أن الأعمال الإرهابية لم تعد حكراً على البلاد العربية والإسلامية، ولم يعد منفذوها كذلك مسلمون، كما يحلو لأعداء الاسلام أن يتغنوا بالحديث الممجوج وعلى أعلى المستويات بأن الإرهاب تخصص اسلامي بقصد الإساءة إليه، بل والحرب على الإسلام، مع أنهم يدركون أن الإسلام بريء من ذلك، حتى وإن نفذه من ينتمي للإسلام. ولذلك رأينا تلك الأحداث المستنكرة تضرب فرنسا وألمانيا وأمريكا وبلجيكا واليابان. ولأسباب متعددة، ومن ديانات مختلفة، ما يؤكد حقيقة أن الإرهاب لا دين له. ومن غير المتوقع أن يتم تحجيم مثل تلك العمليات الإرهابية، التي نتوقع تنقلها وتوسعها في المنظور القريب، إذا ما ظلّ الوضع الدولي المكافح كما هو، وظلّت تلك الدول الراعية للإرهاب دون عقوبات، وظلّ التعاون الدولي التكاملي منعدمًا أو في أقل مستوياته.

إذاً، لقد أصبح الوضع من الخطورة ما يفرض على المجتمع الدولي العمل الجاد في التعاون المتكامل في حربه على الإرهاب، وفي ميادينه المختلفة، بدءًا بالتعاون المعلوماتي الاستخباراتي لكامل المنظومة الإرهابية، وذلك من خلال جمع المعلومات المتكاملة عن التنظيمات والمنظمات الإرهابية، وعن رموزها، وعن مصادر تمويلها، وعن أساليبها في التجنيد والجذب للأتباع والمؤيدين والمتعاطفين، وكذلك العلم بأساليبهم الإعلامية والدعائية، بل والتعرف على الكيفية التي يفكرون بها والأهداف التي يسعون إلى تحقيقها. ويُعد التعاون المعلوماتي الخطوة الأهم في الحرب على الإرهاب، إذا ما تم في إطاره الصحيح، ثم بعد ذلك تتابع خطوات التعاون المتكامل من حيث الأنظمة والقوانين والإجراءات الضبطية، مع إعطاء تتبع مصادر التمويل أهمية قصوى؛ لأن ذلك يشلّ شريان الحياة للتنظيمات والمنظمات الإرهابية والمتطرفة، وهكذا يتم التعاون المتكامل من قبل الجميع في كل ما من شأنه يُحجم أو يضيق الخناق أو يقضي على فكر التطرف والسلوك العنيف.

وعليه، فإنه يتعين على المجتمع الدولي وهو يعاني من مشكلة السلوك الإرهابي، أن يتقدم خطوة إلى الأمام في اتخاذ الإجراءات الفعّالة في تطويق السلوك الإرهابي، وذلك بالعمل التكاملي في الحرب على الإرهاب، وبنظرة شمولية وليس الاكتفاء فقط في المواءمة بين الإجرائيين (الأمني والفكري) فحسب، إنما إلى أبعد وأوسع من ذلك بكثير، إذ يتمثل في العمل التكاملي بين منظومة المجتمع الدولي كله، فخطر الإرهاب لم يعد ـ ولن يكون ـ محصوراً في دول معينة، وإن بدا الأمر كذلك حالياً، لكن التاريخ والواقع يؤكد نظرية توسعه وتخطيه الحدود وتنقله بين الدول، ويكون ذلك الانتشار لأسباب عدة، منها: ما تفرضه المصالح، ومنها تشظي الجماعات الإرهابية، ومنها هروب بعض أعضاء المنظمات الإرهابية أو نشوء جيل جديد في مجتمعات رخوة أمنياً.

أيضاً، مهماً لفت النظر إلى أنه يتعين على كل الدول، أن تتبنى فلسفة العمل التكاملي في مكافحة ومعالجة التطرف العنيف، على المستوى الداخلي بين مؤسساتها المختلفة، انطلاقاً من مبدأ المسؤولية الاجتماعية، فالمجتمع بكل أفراده ومؤسساته وأطيافه وفعالياته، مسؤول وبصفة مباشرة عن تحقيق الأمن المجتمعي، وليس ذلك من مسؤوليات الأجهزة العسكرية أو الأمنية فحسب. وإذا ما تحقق ذلك استطعنا صناعة أو تكوين مجتمع نابذ وطارد للتطرف العنيف وعناصره. ولذلك رأينا كيف أن تلك المجموعات الإرهابية التي لا تجد حاضنة اجتماعية لها، تتجه إلى المجتمعات الرخوة التي تعيش بعض الازمات الاجتماعية، ويقلّ فيها مستوى المسؤولية الاجتماعية.

من هنا، نؤكد على ضرورة المعالجات التكاملية؛ على المستويين الخارجي والداخلي؛ أي أن يندفع المجتمع الدولي في العمل التكاملي بصورة متحدة في الإجراءات ومتكاملة في المعالجات، في ضوء أهداف واضحة للوصول إلى نتائج محددة. وهذا يفرض أن يكون الجميع ودون استثناء ضمن المنظومة الدولية في الحرب على الإرهاب، وإذا ما تخلفت دولة أو تلكأت فيجب النظر إليها بعين الريبة، ومن أنها مستفيدة من الجماعات الإرهابية، وحينئذ يسعها ما يسع التنظيمات الإرهابية من حيث العقوبات. وأيضاً يكون مثل ذلك الاندفاع التكاملي على المستوى المحلي في صورة عمل متحد ومتناغم، بين جميع مؤسسات المجتمع.

ومن المفيد أيضاً أن يكون التكامل الدولي في حربه على الإرهاب تحت مظلة الامم المتحدة، لاسيما وأنها المظلة الدولية لجميع الدول، ولديها القدرة الوظيفية والمعنوية والمادية، في فرض الالتزامات الدولية تجاه الحرب على الإرهاب. لأن ذلك يمنح المجتمع الدولي الاطمئنان في التكاتف من قبل الجميع في منظومة عمل تكاملي تجاه السلوك الإرهابي. وقد آن الأوان لاتخذا هكذا خطوة من قبل المنظمة الدولية وبدعم جميع الدول. وأن يكون الدعم عملي فعال وليس كما كنا نرى في السابق أقوال تقال هنا وهناك لكنها لا تترجم إلى أفعال حقيقية، لا من ناحية الاجراءات الفعلية تجاه التنظيمات الإرهابية، ولا من ناحية الدعم المالي للجهود التي انصبت في اتجاه الحرب على السلوك الإرهابي.

صفوة القول، لا يمكن أن تتم معالجة ومكافحة الإرهاب من قبل دولة واحدة أو عدد محدود من الدول، وتترك لتواجه مصيرها مع الإرهاب باعتبار ذلك شأنًا داخلياً أو إقليمياً، كما أنه لا يمكن مواجهة العنف الإرهابي والفكر التطرفي باستعمال طريقة أو أسلوب واحد، أو أن تترك المسؤولية لجهة واحدة، والتي دائماً تمثلها الحلول الأمنية، ولكي يتم القضاء على الإرهاب أو تحجيم خطره؛ ومن ثم تحقِّق أفضل النتائج بأقل الخسائر المادية والبشرية، فإنه من الأهمية بمكان أن يتحقق ذلك بتبني خطين متوازيين متناغمين، هما: تكامل المجتمع الدولي في جهود المعالجة بوضع استراتيجيات شاملة ومتكاملة، بالنظر إلى أن معالجة التطرف العنيف، تعد مسؤولية دولية مشتركة تتطلب أعلى درجات التنسيق والتعاون بين أعضاء المجتمع الدولي، لإعاقة نشاط هذه الآفة الخطيرة على الفرد والمجتمع، بل على المجتمع الدولي ككل، ونتائجه كارثية، ما يعني المسؤولية المشتركة في إجراءات المعالجة بشقيها الوقائي والعلاجي. وأيضاً أن تتضمن جهود المعالجة تكامل الأدوار بين المؤسسات الحكومية فيما بينها على المستوى المحلي أو الداخلي لكل دولة، وتكامل تلك المؤسسات الحكومية مع مؤسسات المجتمع المدني، في أساليب المعالجة الوقائية والعلاجية.

من هنا، نؤكد على أهمية تبني هذين الخطين الممثلين للمنهج الملائم في العمل التكاملي للمعالجات الفكرية، لاسيما أن ذلك هو الاتجاه الصحيح والأمثل والآكد في التغلب على فكر التطرف والسلوك العنيف، أو احتوائه بالصورة المؤملة والإيجابية، بكل منظومته المتنوعة (تغذيةً ـ دعماً ـ تعاطفاً ـ تأييداً ـ جذباً ـ تنظيراً ـ بيئة حاضنة ـ تسليحاً ـ إعلاماً ـ تنفيذاً ... الخ)، وذلك باعتماد استراتيجية شاملة، فاعلة، موحدة وجهد دولي منظم يربك الخطط الإرهابية، ويحصرها، بل يحاصرها في زاوية ضيقة، بمعنى بذل الجهود الجماعية لحرمان الإرهاب ومن يقومون عليه، من الحصول على الملاذ الآمن الذي يمكنهم من ممارسة إرهابهم المحلي أو الدولي، وذلك بتوفير كل الأسباب والجهود والقدرات التي تحقق ذلك. وقد تم الحديث عن هذين الاتجاهين في فصلين، أما الفصل الثالث فالحديث فيه سيكون عن جهود المملكة العربية السعودية التكاملية في معالجات الفكرية لفكر التطرف والسلوك العنف.

_________________________________________________

باحث ومهتم في مجال التطرف وإعادة التأهيل والادماج