طلب مستشار أو مدرب تسجيل حساب شركة أو هيئة تسجيل حساب خبير جديد تسجيل حساب مستفيد جديد تسجيل الدخول
طلب استشارة جديد

الاقتصاد الدائري: حين تتحول النفايات إلى وقود النمو

الاقتصاد الدائري: حين تتحول النفايات إلى وقود النمو
كتبه. المهندس/ وليد سعد الشهري

في القرن الحادي والعشرين، لم تعد النفايات مجرد عبء على المدن والبيئة، بل أصبحت موردًا استراتيجيًا يعاد تدويره ويُعاد ضخه في شرايين الاقتصاد. يقوم مفهوم الاقتصاد الدائري على مبدأ أن ما يُنتَج ويُستهلك لا ينتهي في مكبّات القمامة، بل يُعاد استخدامه وتدويره وتحويله إلى قيمة جديدة. هذا التحول لم يعد رفاهية، بل ضرورة لضمان استدامة الموارد وتقليل الانبعاثات. في المملكة العربية السعودية، ومع رؤية 2030، يبرز الاقتصاد الدائري كأداة لإعادة تعريف التنمية وتحويل النفايات إلى وقود للنمو.

أطلقت المملكة المركز الوطني لإدارة النفايات ليكون المرجعية الوطنية في تنظيم وإعادة تدوير النفايات. وتستهدف الاستراتيجية الوطنية للنفايات إعادة تدوير 82% من النفايات البلدية و94% من النفايات الخطرة بحلول 2035. كما أطلقت وزارة الصناعة والثروة المعدنية مبادرات لإعادة تدوير المخلفات الصناعية، بينما يقود صندوق الاستثمارات العامة استثمارات في شركات متخصصة مثل "سرك". وعلى المستوى الحضري، بدأت مدن مثل الرياض وجدة والدمام في تطبيق برامج الفرز من المصدر كخطوة أساسية لبناء اقتصاد دائري حديث.

هولندا وضعت هدفًا لتكون أول دولة باقتصاد دائري كامل بحلول 2050. ألمانيا تطبق نظام "إرجاع العبوات" الذي رفع معدل إعادة التدوير لأكثر من 90%. اليابان حولت نفاياتها إلى طاقة عبر محطات الحرق النظيف التي تولّد الكهرباء وتوفر التدفئة. كوريا الجنوبية فرضت رسومًا على هدر الطعام وحققت نسب إعادة تدوير للنفايات الغذائية تتجاوز 95%. السويد استطاعت تحويل أكثر من 99% من نفاياتها إلى طاقة، حتى إنها تستورد نفايات من دول مجاورة. الإمارات دشنت محطة "ورسان" في دبي، الأكبر عالميًا لتحويل النفايات إلى طاقة.

هذه النماذج تؤكد أن الاقتصاد الدائري أصبح خطة اقتصادية شاملة تعزز أمن الموارد وتخلق قيمة مضافة.

المجتمع شريك محوري في نجاح الاقتصاد الدائري. في السعودية، تنتشر مبادرات إعادة التدوير في المدارس والجامعات، حيث يتم تعليم الطلاب كيفية فرز النفايات وتشجيعهم على تصميم حلول مبتكرة. كما يشارك القطاع الخاص عبر برامج المسؤولية الاجتماعية التي تستثمر في إعادة التدوير. شركات كبرى مثل أرامكو وسابك أطلقت مشاريع لإعادة استخدام البلاستيك والمخلفات الصناعية في عملياتها. وحتى قطاع اللوجستيات بدأ يتبنى التغليف المستدام لتقليل النفايات البلاستيكية. كما أن الشركات الناشئة السعودية مثل "ريفايكلو" و"إيكوبيز" تقدم حلولًا رقمية مبتكرة لفرز النفايات وتحفيز الأسر على المشاركة.

التحديات والحلول

التحدي الأول: ضعف ثقافة الفرز من المصدر الحل: حملات توعوية وحوافز للأسر.

التحدي الثاني: نقص البنية التحتية الحل: إنشاء مصانع متخصصة وشراكات مع القطاع الخاص.

التحدي الثالث:: ارتفاع التكلفة الحل: تحفيز الاستثمارات وحوافز ضريبية.

التحدي الرابع: النفايات الإلكترونية الحل: برامج وطنية لجمع الأجهزة وإعادة تدويرها بأمان.

التحدي الخامس: ضعف التشريعات الحل: سن أنظمة تجعل التدوير إلزاميًا على الشركات والمؤسسات.

الاقتصاد الدائري ليس مجرد سياسة بيئية، بل رافعة اقتصادية كبرى. تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تطبيقه قد يضيف 4.5 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول 2030. في المملكة، يمكن لهذا التحول أن يخلق آلاف الوظائف الخضراء، ويقلل الاعتماد على المواد الخام المستوردة، ويعزز تنافسية الصناعات الوطنية. كما أنه يفتح آفاقًا للسياحة البيئية ومشاريع الابتكار المرتبطة بالطاقة المتجددة وإدارة الموارد. الجامعات السعودية أيضًا لديها فرصة لتطوير أبحاث تطبيقية تجعل المملكة مركزًا إقليميًا لتقنيات التدوير. والمواطن العادي بدوره قادر على دعم هذه الرؤية عبر تقليل استهلاك البلاستيك، فرز النفايات في المنزل، وإعادة استخدام المنتجات بدل التخلص منها سريعًا. وهنا يظهر البعد الاجتماعي، حيث يمكن لهذا التحول أن يفتح مجالات عمل جديدة للشباب في مجالات جمع وفرز وإعادة تدوير النفايات، إضافة إلى تطوير شركات ناشئة تقدم حلولًا تقنية مبتكرة في هذا المجال.

الاقتصاد الدائري ليس خيارًا ثانويًا، بل مستقبل التنمية المستدامة. والسؤال يبقى مزدوجًا: هل تستطيع المؤسسات السعودية تحويل النفايات إلى قيمة اقتصادية حقيقية؟ وكيف يمكن للقارئ أن يتبنى ثقافة إعادة التدوير في حياته اليومية؟ وفي المقال القادم، سيكون الحديث عن المحميات الطبيعية: بوابات السياحة البيئية ورأس المال الأخضر.

شارك المقالة:

هل تحتاج إلى استشارة متخصصة؟

احصل على استشارة احترافية من خبرائنا المعتمدين

التعليقات

0 تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذه المقالة!