التعليم الخاص في الفكر التربوي الإسلامي
كتبه أ. د. عبدالله العايش
اعتنى الإسلام بالعلم والعلماء وتربية الناس وفق منهج تربوي علمي يستمد أصوله من شرائع الإسلام وتطبيقاته منذ عصر النبوة، كما ساهمت الأجيال المسلمة في زيادة العناية بجانب العلم والتربية، وأصبح العلم والعناية به هي وظيفة رئيسة للمجتمع المسلم حمل زمامها العلماء والخلفاء والقادرون من المجتمع، وكذلك حرص الآباء على تعليم أبنائهم وحصولهم على التعليم الذي يضمن لهم معرفتهم الدينية وكذلك يساعدهم في الحياة.
ولقد جاء الدين الإسلامي "بأروع نظام تربوي عرفته البشرية؛ نظام يتناول حياة الإنسان من جميع نواحيها، ويهيئ لكل ناحية منها منهجاً تربوياً متكاملاً، يصعد بها إلى أعلى درجة كمالية يمكن أن يصل إليها الإنسان"(محمود، 1992: 281). كما حفلت الحضارة الإسلامية بكثير من النماذج التعليمية المختلفة في مراحلها التاريخية إذ لم تقف إلى جانب نظام تربوي جامد، بل أخذت تطور هذه النماذج وتبدع أخرى مع ما يتناسب واحتياجات المجتمعات الإسلامية.
والناظر إلى تاريخ الفكر التربوي يجد أن مسألة التعليم في البلاد الإسلامية مسألة مستقلة بذاتها؛ لا تخضع الأهواء الناس وتقلباتهم المزاجية وذلك أن الأمة الإسلامية أمة قيادية في طبيعتها ووصفها، وهي أمة ذات مبدأ وعقيدة ورسالة ودعوة، فيجب أن يكون تعليمها خاضعا لهذه العقيدة ولهذا المبدأ، وكل تعليم لا يؤدي هذا الواجب وهذه الريادة فليس هو التعليم الإسلامي المنشود.
إن العناية بهذا الجانب تمثل عاملًا أساسيًا في تعزيز كفاءة النظام التعليمي وفاعليته، إذ تسهم في تعميق المحتوى العلمي، ورفع مستوى الدقة والرصانة الفكرية، وتنمية القدرات الإبداعية لدى المتعلمين. فالنظام التعليمي المتطور هو الذي يتصف بالحيوية والتجدد ويواكب التحولات المعرفية، من خلال مؤسساته الثقافية والأكاديمية التي تعمل بوصفها بيئات محفزة للإنتاج المعرفي والابتكار، في إطار من الأنظمة واللوائح الداعمة للتطور المستمر وضمان جودة المخرجات التعليمية.
وكذلك كانت العناية بالمعلم المسلم وإعداده لهذه الوظيفة الاجتماعية الكبيرة، فلم يكن يتصدى لعملية التربية والتعليم إلا العلماء المشهود لهم بالعلم والخبرة التربوية، " فلا يكفي أن يكون المربي متمكنا من مادته، ملما بأحدث النظريات التربوية، محبا للعمل، بل يجب أن يكون قبل كل شيء إنسانا مؤمنا ورعا صالحا، مدركا لجسامة مسئوليته، متميزا بمحبته لطلابه وقدرته على اكتساب محبتهم وتقديرهم، وبالتالي سهولة الوصول إلى قلوبهم وعقولهم (النجار، 1400: 146).
ولهذا فدراسة تاريخ الفكر التربوي في أي مجتمع يعد من أهم وظائف الجامعات وخاصة في تخصصاتها التربوية، حيث " يجب توجيه الرسائل العلمية التي تسجل في الجامعات الإسلامية لدراسة الفكر التربوي الإسلامي والإسلام وتحديات العصر، وإذا نجحت الدول الإسلامية في إعداد الباحثين الذين يعرفون كيف يتناولون تراثنا التربوي، وكيف يعالجونه، وكيف يتعاملون معه، وكيف يستفيدون منه، فسنكون - ولا شك - قد فتحنا الباب على مصراعيه نحو مستقبل نستطيع أن نتعامل فيه مع الأفكار التربوية الأجنبية دون ما خوف من أن ننقلها - كما نفعل اليوم - إلى نظم التعليم الإسلامية ؛ لأنها في هذه الحالة ستعرف طريقها إلى التأقلم والتكيف - وفق - فلسفة إسلامية تخدم مجتمعا مسلما ناهضا، عرف قدر نفسه فعرف الآخرون قدره". (عبود، 1976: 346).
ولعل من التجارب الرائدة في الفكر التربوي الإسلامي وظيفة (المؤدب) حيث حضي التأديب بعناية المجتمع الإسلامي على مدى القرون الإسلامية حتى يومنا هذا، وكان للمؤدب وظيفته الحضارية في المجتمع المسلم، وقدم نماذج رائدة في مجال المعلم والمتعلم والمنهج وأساليب التعليم، إلى جانب الإدارة التربوية للعملية التعليمة المناطة به.
ولهذا يرى الباحث أن دراسة التعليم الخاص في الفكر التربوي الإسلامي المتمثل في وظيفة المؤدب، يعد رافداً كبيراً للتربية الإسلامية اليوم، يساهم في تطوير جميع عناصر العملية التربوية، وخاصة أن هذه التجربة أصيلة في الفكر الإسلامي وليست دخيلة عليه، كما أنها ليست برنامجاً تربوياً يمكن استعارته من ثقافة أخرى، بل هو نتاج الحضارة الإسلامية، وهذه الأصالة تجعل الاستفادة والانتقاء منها عملية ناجحة وقابلة للتطبيق في الأنظمة التربوية المعاصرة.
إنتهى،،،
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!