مدخل الى التخطيط الاستراتيجي في المؤسسات التربوية ..
كيف تطور المفهوم؟ ولماذا لم يعد خيارا ؟
كتبه. د/ أمل محمد الخضير
تمهيد
لم يعد التخطيط الاستراتيجي ترفا إداريا تمارسه المؤسسات عند الوفرة، بل أصبح ضرورة وجودية في بيئة تتسم بالتغير السريع والتعقيد المتزايد. وفي المجال التربوي تحديدا، تتضاعف أهميته بسبب ارتباطه المباشر ببناء الإنسان ورسم ملامح المستقبل الوطني.
يناقش هذا الجزء تطور مفهوم التخطيط الاستراتيجي، وانتقاله من الجذور العسكرية إلى الحقول التعليمية، ثم يقدم قراءة تحليلية لطبيعة المفهوم في إطاره الحديث.
أولا: من الميدان العسكري إلى قاعات الإدارة
ارتبط مصطلح الاستراتيجية في بداياته بالفكر العسكري، حيث كان يشير إلى فن القيادة في مواجهة الظروف الصعبة. ثم توسع استخدامه ليشمل مجالات الإدارة والاقتصاد، حتى أصبح يشير إلى فن وعلم تحديد القوى الأساسية القادرة على تحقيق الأهداف الكبرى، والأساليب المناسبة لتحقيقها (ابن دهيش والشلاش ورضوان، 2021).
وقد عرف تشاندلر عام 1962 الاستراتيجية بأنها تحديد الأهداف الأساسية بعيدة المدى، وتكييف الأداء، وتوزيع الموارد لتنفيذ تلك الأهداف، وهو تعريف شكل منطلقا مهما في الفكر الإداري الحديث (العجمي، 2020).
وأوضح الكرخي (2014) أن التخطيط الاستراتيجي مر بمراحل تطور متعددة، بدءا من ظهوره في إدارة الأعمال في عشرينيات القرن الماضي، مرورا بانتشاره في القطاع الخاص في الستينيات، ثم انتقاله إلى القطاع العام في الثمانينيات، وصولا إلى بروز التفكير الاستراتيجي بوصفه مرحلة ذهنية تسبق عملية التخطيط نفسها.
ومما سبق يتضح أن أهم تحول في مسار المفهوم لم يكن انتقاله من القطاع الخاص إلى القطاع العام، بل انتقاله من كونه أداة للتوسع والنمو إلى كونه أداة للبقاء والتكيف. فالمؤسسات اليوم لا تخطط فقط لتحقيق مكاسب، بل تخطط لتفادي التراجع في بيئة لا ترحم المؤسسات البطيئة.
ثانيا: تعدد التعريفات وتكامل الدلالات
تعددت تعريفات التخطيط الاستراتيجي في الأدبيات. فقد عرفه أحمد (2012) بأنه أداة إدارية تساعد على رفع كفاءة المؤسسة من خلال حسن استثمار الطاقات وتحقيق الأهداف في ضوء المتغيرات البيئية. بينما أشار محمد (2016) إلى طبيعته بعيدة المدى التي تأخذ في الاعتبار المتغيرات الداخلية والخارجية. وذهب عبدالمطلب والحوت وتوفيق (2018) إلى تعريفه بوصفه وضع رؤية مستقبلية، وصياغة أهداف استراتيجية، وتحديد الوسائل اللازمة لتحقيقها.
ورغم اختلاف الصياغات، إلا أن التعريفات تتقاطع عند أربعة مرتكزات أساسية:
- تحليل الوضع الراهن.
- قراءة العوامل الداخلية والخارجية.
- تحديد الصورة المستقبلية المأمولة.
- رسم المسار والإجراءات للوصول إليها.
وانطلاقا من ذلك يمكن فهم التخطيط الاستراتيجي باعتباره عملية تحليلية منظمة تحدد الاتجاه المستقبلي للمؤسسة في ضوء بيئتها، وتصوغ أهدافها بعيدة المدى، وتحدد الوسائل والموارد اللازمة لتحقيقها بصورة منهجية.
وقيمة التخطيط الاستراتيجي لا تكمن في صياغة وثيقة رسمية، بل في نوعية الأسئلة التي يفرضها على القيادة. السؤال الجوهري ليس: ماذا سنكتب في الخطة؟ بل: هل نملك الشجاعة لمراجعة افتراضاتنا عن المستقبل؟ التخطيط الحقيقي يبدأ عندما تهتز القناعات التقليدية.
ثالثا: التخطيط الاستراتيجي في السياق التربوي
دخل التخطيط الاستراتيجي المجال التربوي متأخرا نسبيا مقارنة بقطاع الأعمال، لكنه اكتسب أهمية متزايدة مع اتساع مؤسسات التربية، وارتفاع تكلفة التشغيل، وتعقد التوقعات المجتمعية.
وفي السياق السعودي، شكلت رؤية 2030 إطارا استراتيجيا أعاد توجيه مسار التعليم نحو المواءمة بين مخرجاته ومتطلبات سوق العمل، من خلال برنامج تنمية القدرات البشرية (رؤية 2030 المملكة العربية السعودية، 2021). ويعد ذلك مثالا على انتقال المؤسسات التربوية من التخطيط التقليدي القائم على التوسع الكمي إلى التخطيط المرتبط بالمؤشرات والنتائج.
ولذا فإن أن أكبر تحد يواجه المؤسسات التعليمية ليس كتابة خطط استراتيجية متقنة، بل تحويلها إلى ثقافة مؤسسية يومية. فالخطة التي لا تنعكس في سلوك المعلم، وقرار المدير، وتخصيص الميزانية، تظل وثيقة محفوظة في الأدراج.
ختاماً يظهر من تتبع تطور المفهوم أن التخطيط الاستراتيجي لم يعد خيارا إداريا ثانويا، بل أصبح إطارا ضروريا لفهم المستقبل وبناء القدرة على التعامل معه. غير أن فاعليته ترتبط بمدى اندماجه في ثقافة المؤسسة، لا بمجرد وجوده في أدبياتها.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!