لماذا تخاف المؤسسات من التغيير؟
كتبه: د. سعد حمد الذبياني
لا تواجه المؤسسات صعوبة في الحديث عن التغيير بقدر ما تواجه صعوبة في ممارسته. فمعظم المؤسسات تضع التطوير ضمن أولوياتها الاستراتيجية، وتؤكد في رؤاها ورسائلها أهمية الابتكار والتحسين المستمر، إلا أن الواقع يكشف في كثير من الأحيان عن فجوة واضحة بين الرغبة المعلنة في التغيير والاستعداد الحقيقي لتبنيه. ومن هنا يبرز تساؤل مهم: لماذا تخاف المؤسسات من التغيير رغم إدراكها لأهميته؟
إن التغيير بطبيعته لا يمثل مجرد تعديل في الإجراءات أو تحديث في الأنظمة، بل هو عملية تمس الثقافة المؤسسية وأنماط التفكير والعلاقات المهنية وطرق اتخاذ القرار. ولهذا السبب غالبًا ما يقابل التغيير بدرجات متفاوتة من المقاومة، ليس لأنه غير مفيد، بل لأنه يفرض على الأفراد والمؤسسات مغادرة مناطق الألفة والانتقال إلى مساحات جديدة تتطلب التعلم والتكيف وتحمل قدر من عدم اليقين.
وفي كثير من المؤسسات، لا تنشأ مقاومة التغيير من العاملين وحدهم كما يشاع أحيانًا، بل قد تمتد إلى المستويات القيادية ذاتها. فالقيادات التي اعتادت نمطًا معينًا من العمل قد تنظر إلى التغيير بوصفه تهديدًا للاستقرار أو مخاطرة غير مضمونة النتائج، خاصة عندما تكون المؤسسة قد حققت مستويات مقبولة من الأداء تجعل الحاجة إلى التغيير أقل إلحاحًا في نظر البعض.
كما أن بعض المؤسسات تقع في ما يمكن تسميته “فخ النجاح السابق”، حيث تتحول التجارب الناجحة إلى قوالب ثابتة يصعب تجاوزها. فكلما حققت المؤسسة نجاحًا من خلال أسلوب معين، زادت قناعتها بفاعلية ذلك الأسلوب، وأصبحت أقل استعدادًا لتجربة بدائل جديدة. ومع مرور الوقت قد يتحول النجاح السابق من عامل قوة إلى عامل يحد من القدرة على التطور والاستجابة للمتغيرات.
ومن العوامل المؤثرة أيضًا هيمنة الثقافة الإجرائية على الثقافة الابتكارية. فالمؤسسات التي تركز بصورة مفرطة على الالتزام الحرفي بالإجراءات قد تجد نفسها أقل قدرة على استيعاب الأفكار الجديدة أو التجارب غير التقليدية. فكل فكرة مبتكرة تحمل قدرًا من المخاطرة، بينما تسعى البيروقراطية بطبيعتها إلى تقليل المخاطر قدر الإمكان. وهنا ينشأ التوتر الدائم بين المحافظة على الاستقرار والسعي نحو التطوير.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا عندما يرتبط التغيير بإعادة توزيع الأدوار أو تطوير المهارات أو إدخال تقنيات جديدة. ففي مثل هذه الحالات قد يشعر بعض الأفراد بالقلق من فقدان النفوذ أو تراجع المكانة المهنية أو عدم القدرة على مواكبة المتطلبات الجديدة، مما يؤدي إلى ظهور أشكال مختلفة من المقاومة الصريحة أو الضمنية.
وفي المؤسسات التعليمية على وجه الخصوص، تبدو الحاجة إلى التغيير أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالتغيرات المتسارعة في المعرفة والتقنية ومتطلبات سوق العمل تفرض على المؤسسات التعليمية مراجعة ممارساتها بصورة مستمرة. ومع ذلك، فإن بعض عمليات التطوير قد تتعثر ليس بسبب ضعف الأفكار، وإنما بسبب صعوبة تغيير القناعات والممارسات المتجذرة عبر سنوات طويلة.
ومن المهم التمييز بين مقاومة التغيير بوصفها مشكلة، ومقاومة التغيير بوصفها مؤشرًا يحتاج إلى الفهم. فالمقاومة في كثير من الأحيان لا تعكس رفضًا للتطوير بقدر ما تعكس الحاجة إلى مزيد من التوضيح والمشاركة والثقة. فالأفراد يكونون أكثر استعدادًا لدعم التغيير عندما يشعرون أنهم جزء من صناعته، وعندما يدركون أهدافه وآثاره المتوقعة بصورة واضحة.
ولهذا فإن نجاح التغيير لا يعتمد فقط على جودة الخطط والاستراتيجيات، بل يعتمد كذلك على قدرة المؤسسة على بناء ثقافة تتقبل التعلم والتجريب وتسمح بطرح الأفكار ومناقشتها دون خوف. فالمؤسسات التي تزرع الثقة وتمنح أفرادها مساحة للمشاركة تكون أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات وأكثر استعدادًا للاستفادة من الفرص الجديدة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في كيفية إدارة التغيير فحسب، بل في كيفية بناء مؤسسات لا تخشاه أصلًا. فالمؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تتغير عند الضرورة فقط، بل تلك التي تجعل التطوير جزءًا من هويتها وثقافتها اليومية، وتتعامل مع التغيير بوصفه فرصة للنمو لا تهديدًا للاستقرار.
ختامًا، فإن الخوف من التغيير ليس ظاهرة سلبية دائمًا، بل هو استجابة طبيعية لما يحمله المستقبل من غموض واحتمالات. غير أن المؤسسات التي تنجح في إدارة هذا الخوف وتحويله إلى دافع للتعلم والتطوير هي الأقدر على الاستمرار والتأثير في عالم يتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. فالثبات الحقيقي لا يتحقق بمقاومة التغيير، وإنما بالقدرة على التكيف معه وصناعة الفرص من خلاله.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!