طلب مستشار أو مدرب تسجيل حساب شركة أو هيئة تسجيل حساب خبير جديد تسجيل حساب مستفيد جديد تسجيل الدخول
طلب استشارة جديد

حين تصبح الجودة عبئاً على الجودة!

حين تصبح الجودة عبئاً على الجودة !

كتبه. د/ سعد حمد الذبياني

   لم يعد مفهوم الجودة في المؤسسات الحديثة محل خلاف، فقد أصبحت الجودة إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها خطط التطوير المؤسسي، وأنظمة الاعتماد، وبرامج التميز. غير أن الإشكالية لا تكمن في الجودة ذاتها، بل في الكيفية التي تمارس بها داخل بعض المؤسسات. فحين تتحول الجودة من ثقافة مؤسسية إلى منظومة من الإجراءات المتراكمة، قد تصبح - على نحو غير مقصود - عبئا على الجودة نفسها.

   لقد نشأت فلسفة الجودة بهدف تحسين الأداء، ورفع كفاءة العمليات، وتعزيز رضا المستفيد، وبناء ثقافة تقوم على التحسين المستمر. إلا أن بعض المؤسسات اختزلت هذه الفلسفة في كثرة النماذج، وتكرار التقارير، وتضخم الوثائق، حتى أصبح توثيق العمل يستهلك وقتا وجهدا قد يفوق الوقت المخصص لتطوير العمل ذاته.

   وتبرز هذه الإشكالية بصورة أوضح في المؤسسات التعليمية، حيث يجد بعض المعلمين وأعضاء هيئة التدريس أنفسهم أمام متطلبات متزايدة من الأدلة والنماذج ومحاضر الاجتماعات وخطط التحسين، فينشغلون بإثبات جودة الممارسة أكثر من الانشغال بتطويرها. ومع مرور الوقت، قد تتحول الجودة إلى عبء إداري يحد من الإبداع بدلا من أن يدعمه.

   ولا يعني ذلك أن التوثيق أو التقويم أو جمع الأدلة ممارسات غير مهمة، فهي تمثل عناصر أساسية في أي نظام جودة فاعل. غير أن قيمتها ترتبط بقدرتها على دعم التحسين واتخاذ القرار، لا بمجرد استكمال المتطلبات. فكل إجراء لا يضيف قيمة حقيقية للعمل ينبغي إعادة النظر فيه، لأن الجودة التي تنتج مزيدا من الإجراءات دون أثر ملموس تفقد جانبا من رسالتها الأساسية.

   كما أن الإفراط في القياس قد يؤدي إلى ظاهرة يمكن وصفها بـ “التضخم الإجرائي”، حيث تتزايد المتطلبات التنظيمية عاما بعد عام دون مراجعة حقيقية لجدواها. وفي مثل هذه البيئات يصبح العاملون أكثر اهتماما بتلبية متطلبات النظام من اهتمامهم بابتكار حلول جديدة أو تطوير الممارسات المهنية.

   ومن الأخطاء الشائعة أيضا التعامل مع الجودة بوصفها مشروعا موسميا يرتبط بزيارة جهة اعتماد أو تقييم خارجي، بينما الأصل أن تكون الجودة ممارسة يومية تنعكس على طريقة التفكير واتخاذ القرار وأسلوب العمل. فالجودة الحقيقية لا تبدأ عند إعداد الملف، بل تبدأ عند تصميم العمل نفسه.

   ولذلك فإن مستقبل الجودة المؤسسية يتطلب الانتقال من “جودة الامتثال” إلى “جودة التحسين”. فالأولى تركز على استيفاء المتطلبات، أما الثانية فتركز على تحقيق الأثر. الأولى تبحث عن اكتمال الوثائق، بينما تبحث الثانية عن جودة المخرجات واستدامة التطوير.

   إن المؤسسات التي تحقق أعلى مستويات الجودة ليست بالضرورة الأكثر إنتاجا للتقارير، وإنما الأكثر قدرة على تحويل نتائج القياس إلى قرارات تطويرية، والأكثر نجاحا في بناء ثقافة يشعر فيها جميع العاملين بأن الجودة مسؤولية جماعية وليست مهمة إدارية محصورة في وحدة أو لجنة.

   ختاما، ستظل الجودة أحد أهم محركات التميز المؤسسي، لكنها تحقق غايتها الحقيقية عندما تبسط إجراءاتها، وتركز على القيمة المضافة، وتمنح العاملين مساحة للإبداع والابتكار. فالجودة التي تثقل الممارسة ليست جودة مكتملة، أما الجودة التي تجعل العمل أفضل وأسهل وأكثر أثرا، فهي التي تستحق أن تبنى عليها المؤسسات.

شارك المقالة:

هل تحتاج إلى استشارة متخصصة؟

احصل على استشارة احترافية من خبرائنا المعتمدين

التعليقات

0 تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذه المقالة!