ليس كل تغيير يعد تطويراً
كتبه: د. سعد حمد الذبياني
كثيرا ما تتسابق المؤسسات إلى إطلاق مبادرات جديدة، وتحديث أنظمتها، وإعادة هيكلة إداراتها، وإعلان مشروعات تطويرية متلاحقة. ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يستحق التوقف: هل كل ما يطلق عليه “تطوير” يحقق بالفعل قيمة مضافة للمؤسسة؟
إن التطوير الحقيقي لا يقاس بعدد المبادرات، ولا بحجم التغيير في الهياكل أو الإجراءات، وإنما بقدرته على تحسين الأداء، ورفع كفاءة العمل، وتحقيق أثر مستدام. أما التغييرات التي تستهلك الوقت والجهد دون أن تنعكس على جودة المخرجات، فهي قد تمثل نشاطا تنظيميا أكثر من كونها تطويرا حقيقيا.
وتقع بعض المؤسسات في فخ ربط التطوير بالحركة المستمرة، فتكثر اللجان، وتتعدد المبادرات، وتتغير الإجراءات بصورة متكررة، بينما تبقى النتائج على حالها. فالتغيير في حد ذاته ليس إنجازا، بل يصبح ذا قيمة عندما يسهم في حل مشكلة، أو تحسين ممارسة، أو بناء قدرة جديدة داخل المؤسسة.
كما أن التطوير لا يعني استبدال كل ما هو قائم، فليس كل إجراء قديم غير صالح، وليس كل فكرة جديدة أفضل من سابقتها. فالمؤسسات الناجحة لا تبحث عن الجديد لمجرد حداثته، وإنما تبحث عن الأنسب الذي يحقق أهدافها بكفاءة واستدامة.
ويبرز هنا دور القياس والتقويم، فكل مشروع تطويري ينبغي أن يجيب عن سؤالين أساسيين: ماذا تغير؟ وما الأثر الذي تحقق؟ فإذا عجزت المؤسسة عن الإجابة عنهما، فإنها تحتاج إلى مراجعة مفهومها للتطوير قبل مراجعة أدواته.
وفي المؤسسات التعليمية على وجه الخصوص، يصبح التطوير أكثر قيمة عندما ينعكس على جودة التعلم، وتنمية المعلمين، وتحسين تجربة المستفيد، لا عندما يقتصر على تحديث النماذج أو تغيير المسميات أو زيادة المتطلبات الإدارية.
إن المؤسسات التي تحقق التميز ليست الأكثر تغييرا، بل الأكثر قدرة على اختيار التغيير الذي يصنع أثرا حقيقيا. فهي تتعامل مع التطوير بوصفه وسيلة لتحقيق رسالة المؤسسة، لا غاية تسعى إليها في حد ذاتها.
ختاما، لا يقاس التطوير بما يعلن عنه، بل بما يتركه من أثر. فكل تغيير لا يضيف قيمة، أو لا يحسن الأداء، أو لا يسهم في تحقيق أهداف المؤسسة، يظل مجرد تغيير في الشكل. أما التطوير الحقيقي، فهو الذي يجعل المؤسسة أكثر كفاءة، وأكثر قدرة على التعلم، وأكثر استعدادا للمستقبل.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!