إدارة الموارد البشرية الخضراء في المؤسسات التعليمية: مدخل استراتيجي لتحقيق الأداء البيئي المستدام
كتبه. د/ عصام محمد كريري
في ظل التسارع المتزايد للتحولات البيئية والاقتصادية العالمية، أصبحت المؤسسات الحكومية والتعليمية أمام مسؤولية متنامية لتبني ممارسات صديقة للبيئة تضمن استدامة الموارد وترفع من جودة الأداء المؤسسي، وتُعد إدارة الموارد البشرية الخضراء من أبرز التوجهات الإدارية الحديثة التي تسعى إلى دمج الأهداف التنظيمية مع متطلبات الاستدامة البيئية ضمن منظومة متكاملة، كما تشكل مبادرة السعودية الخضراء التي أطلقها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - عام 2021م، ومستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030، إطاراً وطنياً داعماً لتبني هذه الممارسات في مختلف الجهات الحكومية، ومنها الإدارات العامة للتعليم
ويكتسب قطاع التعليم أهمية خاصة في هذا السياق؛ لكونه أحد المحركات الرئيسة لبناء أجيال واعية بالقضايا البيئية وقادرة على الإسهام في تحقيق التنمية المستدامة، وقد أشارت العديد من الدراسات إلى محدودية مستوى الوعي والتطبيق الفعلي لممارسات إدارة الموارد البشرية الخضراء في بعض المؤسسات التعليمية، الأمر الذي قد يؤثر في قدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية المرتبطة بالاستدامة، وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه المقالة إلى تقديم إطار نظري وتطبيقي متكامل للتعريف بممارسات إدارة الموارد البشرية الخضراء واستعراض أهم تطبيقاتها وتحدياتها في سياق الإدارات العامة للتعليم بالمملكة العربية السعودية
تعود الجذور الفكرية لإدارة الموارد البشرية الخضراء إلى كتاب تخضير الأشخاص الذي نشره عام 1996م، إلا أن المفهوم تبلور بوصفه مجالاً إدارياً مستقلاً خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ويقوم هذا المفهوم على دمج وظائف إدارة الموارد البشرية التقليدية، مثل التوظيف والتدريب وتقييم الأداء، مع الأهداف البيئية للمنظمة بهدف بناء موظف واعٍ بالقضايا البيئية وقادر على ممارستها في بيئة العمل اليومية
وتتعدد تعريفات إدارة الموارد البشرية الخضراء في الأدبيات الإدارية، إلا أنها تتفق في جوهرها على توظيف سياسات وممارسات الموارد البشرية لتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية وتعزيز السلوكيات الصديقة للبيئة بين العاملين. ويمكن تعريفها بأنها مجموعة السياسات والممارسات التي تسهم في تنمية الوعي والمعرفة البيئية لدى الموظفين، وتحفزهم على تبني سلوكيات وممارسات تدعم الأداء البيئي المستدام للمنظمة
ومن المهم التمييز بين مفهومين متقاربين في الأدبيات الإدارية؛ إذ تشير إدارة الموارد البشرية الخضراء إلى توظيف ممارسات الموارد البشرية لتعزيز الاستخدام المستدام للموارد، في حين تشير الإدارة الخضراء للموارد البشرية إلى مجموعة الأنشطة التي تستهدف تحويل المنظمة والعاملين فيها إلى شركاء فاعلين في حماية البيئة
وتقوم إدارة الموارد البشرية الخضراء على خمس ممارسات رئيسة مترابطة، تتمثل أولى هذه الممارسات في تحليل وتصميم العمل الأخضر، الذي يُعد المدخل الاستراتيجي لتحقيق الأداء البيئي التنظيمي، ويقوم هذا المدخل على دمج المهام والمسؤوليات البيئية ضمن بطاقات الوصف الوظيفي، وتحديد المتطلبات البيئية والاجتماعية والمهنية لشاغلي الوظائف، إلى جانب توظيف التقنيات الرقمية الصديقة للبيئة بديلاً عن الاعتماد المفرط على السجلات الورقية، ومن أبرز تطبيقاته تضمين الأهداف البيئية في الوصف الوظيفي، وإشراك الموظفين في مبادرات التحسين البيئي، والالتزام بمعايير الصحة والسلامة البيئية
أما الممارسة الثانية فتتمثل في التوظيف والاستقطاب الأخضر، الذي يركز على استقطاب الكفاءات البشرية ذات الوعي البيئي والقدرة على دعم المبادرات البيئية للمنظمة، ويتحقق ذلك من خلال تضمين المعايير البيئية في إعلانات الوظائف وإجراءات الاختيار، والاعتماد على المقابلات والاختبارات الإلكترونية للحد من استهلاك الموارد وتقليل البصمة الكربونية المرتبطة بعمليات التوظيف
وتُعد عملية التدريب والتطوير الأخضر الركيزة الأساسية لبناء القدرات البيئية لدى الموظفين. وتهدف هذه الممارسة إلى تزويد العاملين بالمعارف والمهارات والاتجاهات اللازمة لفهم القضايا البيئية والتعامل معها بفاعلية، ولا يقتصر أثر هذا التدريب على تنمية المعرفة البيئية، بل يمتد إلى إحداث تغييرات سلوكية واتجاهية مستدامة تدعم الممارسات البيئية الإيجابية في الحياة المهنية والشخصية، وتتضمن أساليبه ورش العمل الإلكترونية، والدورات التدريبية عبر الإنترنت، والتعلم التشاركي، وبرامج تبادل الخبرات والوظائف ذات البعد البيئي
وتتمثل الممارسة الرابعة في التحفيز الأخضر، الذي يشمل أنظمة الحوافز والمكافآت المصممة لتشجيع الموظفين على الالتزام بالأهداف البيئية وتبني السلوكيات الخضراء، وتشمل هذه الحوافز المكافآت المالية، مثل العلاوات والمكافآت النقدية، إضافة إلى الحوافز غير المالية، مثل شهادات التقدير والتكريم وفرص الترقية. كما يُعد العمل المرن والعمل عن بُعد من الأدوات الداعمة للتحفيز الأخضر لما لهما من أثر في خفض استهلاك الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية
أما الممارسة الخامسة فتتمثل في تقييم الأداء الأخضر، الذي يُعنى بقياس مدى التزام الموظفين بالأهداف البيئية للمنظمة من خلال مؤشرات أداء واضحة تشمل ترشيد الموارد، والالتزام بالسياسات البيئية، والحد من الممارسات الضارة بالبيئة، وتتضمن هذه العملية دمج المعايير البيئية في نماذج تقييم الأداء الوظيفي، وضمان الشفافية والموضوعية في تطبيقها، وربط نتائجها بقرارات الحوافز والترقيات، كما يسهم هذا النوع من التقييم في دعم متطلبات نظم الإدارة البيئية المتوافقة مع المواصفة الدولية ISO 14001 وتعزيز فرص الحصول عليها والمحافظة عليها
وتوفر إدارة الموارد البشرية الخضراء العديد من المزايا الاستراتيجية للإدارات العامة للتعليم، فعلى المستوى المؤسسي، تسهم في رفع كفاءة الأداء وتحسين السمعة التنظيمية وتعزيز جودة الخدمات المقدمة، وعلى مستوى الموارد البشرية، تساعد في استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، ورفع مستوى الرضا الوظيفي، وتعزيز مشاركة الموظفين في تحقيق أهداف المنظمة، أما على المستوى البيئي، فإنها تسهم في ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية، وتقليل النفايات، وتعزيز الثقافة المؤسسية الداعمة للاستدامة، كما تعزز المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة وتدعم بناء علاقات إيجابية مع المجتمع وأصحاب المصلحة
وفي السياق السعودي، تتوافق هذه الممارسات بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي ترتكز على بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح، كما تنسجم مع مبادرة السعودية الخضراء التي تستهدف خفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة وحماية البيئة للأجيال القادمة
وقد انعكست هذه التوجهات على ممارسات وزارة التعليم من خلال التوسع في التحول الرقمي وتقليل الاعتماد على المعاملات الورقية، وتطوير أنظمة إدارة الوثائق الإلكترونية، وتبني مفاهيم المباني الذكية، وتطبيق أنظمة إدارة الأداء الوظيفي التي تعزز الشفافية والموضوعية، كما يقوم المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي بتنفيذ العديد من البرامج والمبادرات التي تستهدف تنمية الكفاءات البشرية ورفع جاهزيتها لمواكبة متطلبات التنمية المستدامة
فإدارة الموارد البشرية الخضراء تمثل توجهاً إدارياً معاصراً يسهم في دمج البعد البيئي في مختلف الممارسات التنظيمية، ويعزز قدرة المؤسسات التعليمية على تحقيق أهدافها التنموية والاستراتيجية بصورة مستدامة، كما أن نجاح تطبيق هذه الممارسات يتطلب دعماً قيادياً مستمراً، وتطويراً للسياسات والإجراءات، واستثماراً فاعلاً في بناء القدرات البشرية ونشر الثقافة البيئية المؤسسية، بما يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 وترسيخ مبادئ التنمية المستدامة
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!