من المسؤول عن تنمية الموهبة؟
كتبه. د/ صالح الجهني
في المقال السابق ناقشنا سؤالًا طالما شغل التربويين والباحثين وصناع السياسات:
هل نكتشف الموهبة أم نصنعها؟
وخلصنا إلى أن الموهبة ليست مجرد قدرة تولد مع الإنسان، وليست كذلك منتجًا يمكن تصنيعه من العدم، بل هي إمكانات كامنة تحتاج إلى بيئة مناسبة وفرص نوعية ومسار تنموي مستمر حتى تتحول إلى إنجاز وأثر.
لكن إذا كانت الموهبة تحتاج إلى كل ذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
من المسؤول عن تنمية الموهبة؟
وهل هي مسؤولية الأسرة؟
أم المدرسة؟
أم الجامعة؟
أم المؤسسات المتخصصة؟
أم أن المسؤولية أكبر من ذلك كله؟
من واقع الخبرة والاطلاع على التجارب العالمية، أرى أن هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه من خلال تحديد جهة واحدة، لأن الموهبة بطبيعتها ظاهرة إنسانية معقدة تتأثر بعوامل متعددة، ولهذا فإن تنميتها لا يمكن أن تكون مسؤولية فرد أو مؤسسة أو قطاع واحد.
إن الموهبة مشروع وطني متكامل، ونجاحه يعتمد على قدرة جميع الأطراف على العمل ضمن منظومة واحدة تتشارك الرؤية والهدف.
الموهبة لا تنمو في الفراغ
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الموهوب سينجح بمجرد امتلاكه قدرات عالية.
فالواقع والتجارب العلمية يؤكدان أن القدرة وحدها لا تكفي.
كم من موهبة واعدة لم تجد البيئة التي تحتضنها فتراجعت.
وكم من إمكانات كبيرة لم تجد الفرصة المناسبة فضاعت قبل أن تظهر.
وفي المقابل، نجد أن كثيرًا من الإنجازات الاستثنائية التي حققها علماء ومبتكرون وقادة حول العالم لم تكن نتيجة ذكاء فردي فقط، بل نتيجة منظومات كاملة آمنت بهم واستثمرت في قدراتهم.
ولهذا فإن تنمية الموهبة ليست عملية تعليمية محدودة، بل عملية اجتماعية وتنموية ممتدة تبدأ منذ الطفولة وتستمر حتى مراحل متقدمة من الحياة.
الأسرة: نقطة البداية
قبل أن يتعرف الطفل على المدرسة، وقبل أن يخضع لأي برنامج للموهوبين، تكون الأسرة قد أدت دورًا كبيرًا في تشكيل شخصيته واتجاهاته.
فالأسرة التي تحترم الفضول وتشجع التساؤل وتحتفي بالمحاولة والتجريب تضع الأساس الحقيقي للتميز.
وعندما يشعر الطفل أن أفكاره محل تقدير، وأن أخطاءه جزء من التعلم، فإن ثقته بنفسه وقدرته على الابتكار تنمو بصورة طبيعية.
إن أول استثمار في الموهبة يبدأ داخل المنزل.
المدرسة: حيث تتحول الإمكانات إلى فرص
إذا كانت الأسرة تزرع البذرة، فإن المدرسة هي البيئة التي تمنحها فرصة النمو.
فالمدرسة ليست مكانًا لتلقين المعرفة فقط، بل فضاء لاكتشاف القدرات وصناعة الخبرات.
والمعلم المتميز لا يقيس نجاحه بعدد ما يقدمه من معلومات، بل بعدد العقول التي يساعدها على التفكير.
وعندما تمتلك المدرسة برامج نوعية وإثراءات علمية ومشروعات بحثية ومساحات للإبداع، فإنها تتحول إلى حاضنة حقيقية للمواهب.
مؤسسة موهبة: تجربة وطنية رائدة
عند الحديث عن تنمية الموهبة في المملكة العربية السعودية، لا يمكن تجاوز الدور المحوري الذي تقوم به مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع "موهبة".
فقد نجحت المؤسسة خلال العقود الماضية في بناء واحدة من أكثر التجارب العربية نضجًا وتأثيرًا في مجال اكتشاف الموهوبين ورعايتهم.
ولم يقتصر دورها على الكشف عن الموهبة، بل امتد إلى بناء برامج إثرائية متقدمة، وشراكات مع الجامعات والمدارس والمراكز البحثية، وإيجاد مسارات تنموية تواكب أفضل الممارسات العالمية.
واليوم أصبحت الإنجازات السعودية المتكررة في معرض آيسف والأولمبيادات العلمية الدولية وغيرها من المنافسات العالمية دليلًا واضحًا على أثر هذا الاستثمار المنهجي في العقول.
والأهم من ذلك أن تجربة موهبة أسهمت في ترسيخ ثقافة وطنية جديدة تنظر إلى الموهبة باعتبارها ثروة وطنية يجب الاستثمار فيها لا مجرد فئة تعليمية تحتاج إلى خدمات خاصة.
الجامعات من رعاية الموهبة إلى صناعة النخب
في المراحل المتقدمة من العمر تنتقل الموهبة إلى مستوى جديد من التحديات.
وهنا يظهر دور الجامعات.
فالجامعة الناجحة لا تكتفي بمنح الشهادات، بل تصنع العلماء والباحثين والمبتكرين.
ومن خلال المختبرات البحثية وحاضنات الابتكار والشراكات الدولية والفرص البحثية المبكرة، تستطيع الجامعات أن تحول الموهبة إلى إنتاج معرفي وأثر علمي واقتصادي.
ولهذا فإن مستقبل الموهبة يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الجامعات على الانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها.
القطاع الخاص: المستثمر الحقيقي في القدرات
في الاقتصادات الحديثة لم يعد القطاع الخاص متلقيًا لمخرجات التعليم فقط، بل أصبح شريكًا رئيسًا في تشكيلها.
فالقطاع الخاص قادر على توفير بيئات تطبيقية حقيقية للمواهب، وربطها بالتحديات الواقعية، وتحويل الأفكار إلى منتجات، والأبحاث إلى حلول، والابتكارات إلى فرص اقتصادية.
وعندما تصبح الموهبة جزءًا من استراتيجية الشركات والمؤسسات، فإن أثرها يتجاوز الفرد ليصل إلى الاقتصاد الوطني بأكمله.
الدولة وصناعة رأس المال البشري
في الدول المتقدمة لم تعد الموهبة تُعامل بوصفها قضية تعليمية فقط.
بل أصبحت جزءًا من استراتيجيات التنمية الوطنية.
فالاستثمار في الموهبة هو استثمار في الابتكار.
والاستثمار في الابتكار هو استثمار في الاقتصاد.
ولهذا فإن بناء منظومة وطنية للموهبة يتطلب سياسات متكاملة تربط بين التعليم والبحث العلمي والاقتصاد وسوق العمل.
وعندما يحدث هذا التكامل، تتحول الموهبة من نجاح فردي إلى قوة وطنية مؤثرة.
المملكة ورؤية 2030: استثمار استراتيجي في رأس المال البشري
ربما يكون أهم ما يميز المرحلة الحالية في المملكة العربية السعودية هو أن الموهبة لم تعد تُنظر إليها بوصفها قضية تعليمية فقط، بل أصبحت جزءًا من مشروع وطني شامل لبناء الإنسان.
فمنذ إطلاق رؤية المملكة 2030، ظهر توجه واضح نحو الاستثمار في رأس المال البشري باعتباره المحرك الرئيس للتنمية المستدامة.
وقد انعكس ذلك في برامج تنمية القدرات البشرية، والتوسع في التعليم النوعي، ودعم البحث والتطوير والابتكار، وتمكين الشباب، وتعزيز التنافسية العالمية للمملكة.
واليوم نشهد منظومة متكاملة تعمل على إعداد جيل يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على الابتكار والقيادة.
وفي هذا السياق أصبحت الموهبة أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق الرؤية، لأن بناء اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي ووطن طموح لا يمكن أن يتحقق دون اكتشاف العقول المتميزة وتنمية قدراتها واستثمارها.
إن ما نشهده اليوم من حضور سعودي متصاعد في المنافسات العلمية العالمية، ومن نمو في منظومة البحث والابتكار، ومن استثمارات ضخمة في التعليم والتقنية، يؤكد أن المملكة تتعامل مع الموهبة باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا طويل المدى في مستقبل الوطن.
إذًا... من المسؤول؟
بعد كل ذلك، أعتقد أن السؤال الأصح ليس:
من المسؤول عن تنمية الموهبة؟
بل:
كيف نجعل الجميع شركاء في تنميتها؟
فالأسرة مسؤولة.
والمدرسة مسؤولة.
والجامعة مسؤولة.
ومؤسسة موهبة مسؤولة.
والقطاع الخاص مسؤول.
والجهات الحكومية مسؤولة.
لكن النجاح الحقيقي لا يتحقق عندما يعمل كل طرف بمفرده، بل عندما تتحول هذه الجهود إلى منظومة وطنية متكاملة تتحرك نحو هدف واحد.
كلمة أخيرة
أؤمن أن الموهبة ليست قضية فردية، وليست برنامجًا مؤقتًا، وليست مسؤولية جهة واحدة.
إنها مشروع وطن.
وكلما نجحنا في بناء منظومة تتكامل فيها الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات المتخصصة والقطاع الخاص، اقتربنا أكثر من تحويل الإمكانات الكامنة إلى إنجازات عالمية.
لقد قطعت المملكة شوطًا كبيرًا في هذا الطريق، وأسست من خلال رؤية 2030 وتجربة موهبة والبرامج الوطنية المختلفة نموذجًا واعدًا للاستثمار في الإنسان.
لكن المرحلة القادمة تتطلب مزيدًا من التكامل بين جميع الشركاء، لأن مستقبل الأوطان لا يُبنى بالموارد وحدها، بل بالعقول القادرة على تحويل تلك الموارد إلى قيمة وأثر وتنمية مستدامة.
فالاستثمار الحقيقي ليس فيما نملك من إمكانات فقط... بل فيما نصنعه من عقول قادرة على قيادة المستقبل.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!