طلب مستشار أو مدرب تسجيل حساب شركة أو هيئة تسجيل حساب خبير جديد تسجيل حساب مستفيد جديد تسجيل الدخول
طلب استشارة جديد

الوعي البيئي والصحي بوصفه ناتجاً تربوياً للمنهج

الوعي البيئي والصحي بوصفه ناتجاً تربوياً للمنهج
كتبه. د/ عبدالعزيز عوض العتيبي

لم يعد المنهج الدراسي في المفهوم التربوي المعاصر مجرد محتوى معرفي يُقدَّم للمتعلم، بل أصبح أداة لبناء الإنسان القادر على فهم قضايا مجتمعه والتفاعل معها واتخاذ مواقف مسؤولة تجاهها. ومن بين القضايا التي تتقدم أولويات التربية اليوم الوعي البيئي والوعي الصحي؛ لما لهما من اتصال مباشر بجودة الحياة، واستدامة الموارد، وصحة الإنسان والمجتمع. ويتسق ذلك مع التوجه نحو بناء مجتمع حيوي، وتعزيز الوقاية، وتنمية السلوك المسؤول لدى الأجيال الناشئة.

الوعي ليس معرفة فقط

من الأخطاء التربوية أن يُختزل الوعي في تزويد المتعلم بالمعلومات. فالوعي الحقيقي أكثر عمقًا؛ إذ يجمع بين المعرفة والوجدان والممارسة. فالطالب قد يعرف خطورة التلوث أو أهمية الغذاء الصحي، لكن المعرفة وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى اتجاه إيجابي وسلوك يمارسه في حياته اليومية. ولذلك فإن الشخص الواعي هو من يعرف، ويتقبل ويؤمن، ثم يمارس ما يؤمن به؛ وهو ما يجعل بناء الوعي عملية تربوية متكاملة تشمل الجوانب المعرفية والمهارية والوجدانية.

ومن هنا تتجاوز مهمة المنهج سؤال: ماذا يعرف الطالب؟ إلى أسئلة أكثر عمقًا: ماذا يشعر تجاه ما تعلمه؟ كيف يتخذ قراره؟ وكيف ينعكس تعلمه على سلوكه؟

المنهج والوعي البيئي: تربية من أجل الحياة

تقوم التربية البيئية على فهم علاقة الإنسان ببيئته وما بينهما من تأثير متبادل، بينما يظهر الوعي البيئي في قدرة الفرد على إدراك القضايا والمشكلات البيئية، واتخاذ مواقف وممارسات إيجابية تجاه الموارد والاستهلاك والمحافظة على البيئة.

ولذلك فإن تنمية الوعي البيئي لا تهدف إلى تعريف الطالب بمصطلحات مثل التصحر والتغير المناخي والموارد الطبيعية فحسب، وإنما تسعى إلى تكوين اتجاهات إيجابية، وإدراك المسؤولية الشخصية والاجتماعية، والمشاركة في الوقاية من المشكلات البيئية وحلها، والنظر إلى القضايا البيئية من مستويات محلية وإقليمية ودولية.

وهنا تظهر قوة المنهج عندما ينتقل بالتعلم عبر ثلاثة مستويات مترابطة: التعلم عن البيئة، والتعلم في البيئة، والتعلم من أجل البيئة. فالأول يبني المعرفة، والثاني يجعل البيئة نفسها ميدانًا للتعلم والخبرة، أما الثالث فينتقل إلى المستوى الأعلى: بناء القيم والمهارات والاتجاهات التي تدفع المتعلم إلى حماية البيئة والمشاركة في معالجة مشكلاتها.

كيف يصنع المنهج هذا الوعي؟

صناعة الوعي لا تتحقق بإضافة درس عن البيئة أو فقرة عن الصحة إلى كتاب مدرسي، بل تتطلب بناءً منهجيًا يبدأ بتحديد مستوى المتعلم، ثم تكوين الوعي، وإتاحة مواقف لتطبيقه، وتثبيته، ومتابعة أثره. ويعرض التصور التربوي في المادة خمس مراحل مترابطة: التمهيد، والتكوين، والتطبيق، والتثبيت، والمتابعة.

ويمكن للمنهج أن يتعامل مع القضايا البيئية من خلال أكثر من مدخل؛ فقد تدمج القضية البيئية في عدة مواد دراسية، أو تُقدم في وحدة متخصصة، أو في مقرر مستقل، أو من خلال المشروعات. ويتميز المدخل التكاملي بقدرته على جعل البيئة قضية مشتركة بين العلوم والرياضيات والدراسات الاجتماعية واللغات والصحة وغيرها، بدل حصر مسؤوليتها في مقرر العلوم.

وهذا التحول يعيد تعريف دور المعلم أيضًا؛ فبدل أن يكون ناقلًا للمعلومة يصبح مصممًا للمواقف والخبرات. ولذلك تتلاءم مع التربية البيئية استراتيجيات مثل الاستقصاء والمناقشة، والعصف الذهني، والرحلات الميدانية، ودراسة الحالات، وحل المشكلات، والمشروعات؛ لأنها تضع المتعلم أمام مشكلة حقيقية تستدعي التفكير واتخاذ القرار والعمل.

الوعي الصحي: عندما يصبح التعلم وقاية

لا يقل الوعي الصحي أهمية عن الوعي البيئي. فالتربية الصحية تعني تحويل الحقائق العلمية إلى أنماط سلوكية صحية سليمة، بينما يتمثل الوعي الصحي في امتلاك المعرفة الصحية والقدرة على تطبيقها في الحياة اليومية بما يسهم في الوقاية من الأمراض والمحافظة على الصحة.

ومن هنا فإن الطالب الواعي صحيًا ليس الذي يستطيع الإجابة عن سؤال حول التغذية أو النشاط البدني فقط، وإنما الذي يترجم المعرفة إلى اختيار وممارسة: يحافظ على نظافته، ويمارس عادات غذائية سليمة، ويتجنب السلوكيات الضارة، ويتحمل مسؤوليته تجاه صحته وصحة الآخرين. وقد حددت المادة أهداف الوعي الصحي في إكساب المعرفة، وتكوين الاتجاهات الإيجابية، وممارسة العادات الصحية، والابتعاد عن السلوكيات غير الصحية، وتعزيز المسؤولية الصحية.

ويتسع مفهوم الصحة في المنهج ليشمل أبعادًا متعددة، من بينها الصحة الشخصية، والتغذية الصحية، والصحة البيئية، والسلامة والوقاية؛ وهو ما يعكس النظرة التكاملية للإنسان بوصفه كائنًا جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا يعيش داخل بيئة تؤثر فيه ويتأثر بها.

من تضمين الموضوعات إلى بناء ثقافة

القيمة الحقيقية للمنهج لا تتمثل في عدد الموضوعات البيئية والصحية التي يحتوي عليها، وإنما في الأثر الذي تحدثه تلك الموضوعات في شخصية المتعلم. فقد تأتي التربية الصحية على صورة مفهوم مدمج في مقرر، أو وحدة دراسية، أو مقرر مستقل، لكن معيار النجاح يظل قدرة المنهج على تحويل المحتوى إلى ممارسة.

ولهذا ينبغي ألا يقف التقويم عند الاختبار المعرفي. فالوعي يمكن أن يقاس بالملاحظة، والمواقف، والمشروعات، وملفات الإنجاز، ومقاييس الاتجاه والسلوك. وفي الجانب الصحي كذلك يمتد التقويم من قياس المعرفة إلى تقويم الأداء والقدرة على حل المشكلات وقياس الاتجاهات والميول.

المنهج الذي نحتاجه

إن المنهج الذي يصنع الوعي هو المنهج الذي يربط المعرفة بالحياة، والمعلومة بالقيمة، والقيمة بالسلوك. فالغاية ليست أن يحفظ المتعلم أسباب التلوث ثم يمارس سلوكًا يضر البيئة، ولا أن يعدد قواعد الصحة بينما لا تظهر في اختياراته اليومية.

نحتاج إلى منهج يجعل الطالب يرى البيئة مسؤولية شخصية ومجتمعية، ويفهم الصحة بوصفها ممارسة يومية قبل أن تكون علاجًا، ويمنحه فرصًا حقيقية للملاحظة والاستقصاء والمشاركة واتخاذ القرار.

فنجاح التربية البيئية والصحية لا يُقاس بما يعرفه المتعلم عن البيئة والصحة فحسب، بل بما يتغير في طريقة تفكيره، واختياراته، وسلوكه؛ لأن المنهج حين يصنع وعيًا، فإنه لا يعلّم الطالب درسًا فقط، بل يبني مواطنًا قادرًا على أن يعيش بصورة أكثر صحة ومسؤولية واستدامة.

العتيبي، عبدالعزيز بن عوض ماطر. (2022). المنهج والوعي البيئي والصحي [ورقة عمل مقدمة إلى المؤتمر الدولي الثاني المحكّم: التعلم والتعليم والتطلع نحو المستقبل: المتطلبات والفرص والتحديات]. جامعة إربد الأهلية، الأردن، 31 مايو–2 يونيو 2022.

 

شارك المقالة:

هل تحتاج إلى استشارة متخصصة؟

احصل على استشارة احترافية من خبرائنا المعتمدين

التعليقات

0 تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذه المقالة!