تأملات في قصة الأخوين ...دروس وعبر
كتبه/ د. محمود علي يوسف يوسف
لم تأت قصص القرآن تسلية وتسرية فقط، بل تأملا وموعظة واهتداء، لذلك سنتوقف اليوم عند قصة من قصص القرآن، هي قصة أول أخوين في التاريخ، قصة تمتلئ بكثير من الدروس التربوية، والعبرة، قصة تحكي ماذا يمكن أن يفعل الحقد والحسد والغل والاستسلام للشيطان، قصة تعلمك أن تقف لتقول: لا ..عندما تُظلمُ، تقف لتؤدي واجبك في النصح والإرشاد، ولا يهمك إن استجاب المنصوح ام لا، المهم أن تؤدي واجبك أنت، لأنه سيرفع قدرك أنت، وسيجازيك الله عليه أنت، وسيكون عبرة للخلق كما كان ما فعله "هابيل" مع أخيه...تعالوا معنا نقف على ثلاثة دروس، في كل درس عبرة، ووقف:
(الدرس الأول/ (١-١ قابيل وهابيل - الأخوان):
من جميل الدروس التربوية التي يجب أن يعيها المربون ما حدث بين قابيل وهابيل، وذلك الحوار الرائع الذي أنعم الله بها علينا ليربينا ويعلمنا كيف تعمل بعض القلوب، وما يفعل فيها الحقد والحسد...
سأبدأ الدروس من هنا...
من قول هابيل عليه السلام:
"قال إنما يتقبل الله من المتقين"
نعم...
لقد أرسى بمقولته حكمة وقانونا يعبر عن فهم المخلصين لله...
أولئك الذي أنعم الله عليهم نعمًا تسري في قلوبهم وعقولهم...
وتصدقها أفعالهم...
نعم...
أنت تعمل وقد لا تدري...
وهكذا يجب..
لا تدري هل تقبل الله منك أم لا...
لا تعلم هل توفرت أركان القبول في عملك، أم رده الله عليك...
حتى لو عشت عمرك كله تعمل وتعمل ظانا أنك تعمل لله...
فالقلوب يعلم إخلاصَها بارئُها...
والله...
والله وحده...
هو الذي يتقبل ويرفع، لا أولئك البشر الذين أمروا بالنظر للظاهر...
كان هذا هو الدرس الأول...
"إنما يتقبل الله من المتقين"
فمن هم المتقون؟
أولئك الذين تجردت قلوبهم عن الأهواء...
وما شابت أعمالهم نفاق البشر...
أولئك الذين راقبوا الله ابتداء في كل كلمة وفعل...
وأحسنوا إخراج أفعالهم في كمالٍ يليق بالله ذي الجلال...
ليس كل عمل يقبله الله مهما بدا...
ولا أحد يمن على الله بعمل...
ولا بجهد...
ولا بدعوة...
انتبهوا...
فقد تصير أعمالنا هباء منثورا دون أن ندري...
فهل يا ترى لو راجعت جميع عملك...
هل تتوفر فيك أنت شروط المتقين ليقبل الله عملك.
الدرس الثاني/ (١ - ٢ قابيل وهابيل - القلوب والأحقاد):
"فطوعت له نفسه قتل أخيه، فقتله"
كان المأمول ممن نصحه هابيل بأن الله يتقبل من المتقين..
كان المأمولُ أن يراجع نفسه...
ويسأل: لماذا لم يتقبل الله مني؟
حتى يحسن عمله...
ويجدد نيته...
ويحسن شروط قبوله...
لكن الله أراد أن يعلمنا كيف تعمل قلوب بعض البشر...
أو قلوب كثير منهم كما نرى الآن...
لقد شكل الحقدُ، وطوّع الحسدُ، وسوّلت النفس له أن يقتل أخاه...
لم يكن لديه أسباب ولا مبررات لإيذاء أخيه...
لكن نفسه هي من وضعت له المبررات...
نعم...
ألم تفطنوا إلى كلمة "طوعت"....
هل تدركون دلالتها...
وكيف أعادت هذه الكلمة تشكيل المشهد كله بجميع أسبابه ومبرراته...
طوعت أي: رخصت، وزينت، وسهلت، وبررت، وشجعت...
هل تأملتم المعاني...
إن فيها تفسيرا لما يحدث الآن...
بيننا...
إن فيها كشفا لأسباب هذا التنازع بين البشر...
بين الأخوين..
والزوجين...
والصديقين...
النفس تزين المنكر، وتجد له المبرر والرخص، بل وتشجع، وتمده بكل أشكال الطاقة السلبية التي تشتعل بها القلوب نارا على أصحابها...
أراد الله أن يعلمنا درسا...
ما لم تره بالعين، أو تسمعه بالأذن، من فوران القلوب بالأحقاد...
له علامات...
وأمارات...
ودلائل...
يجب أن تفطن لها قبل أن يتحول اشتعال القلوب إلى نار تحرق كل شيء...
تحدثُ كثيرٌ من الوقائع قبل القتل.....
ستراها وتلحظها إن كان قلبك سليما نقيا...
ستراها في فلتات اللسان...
وعند الانفعال الذي لا يملك المرء فيه سيطرة على مشاعره...
ستراها في نظرات العيون الحاقدة التي تشع نارا يفطن لها من يفطن...
ستجدها في فرح عند مصيبة أو جلل يحدث لك...
وغضب وغيرة وحسد عند خير ينعم الله به عليك...
ستجدها في قلب ولسان وحديث يخرج فيه كل سوء وفحش في القول...
ستلحظها في السخرية والاستهزاء والتسفيه والتبكيت الذي يترجم ما في القلوب....
ستجدها في مواقف كثيرة معك ومع غيرك...
فالمنافقون ديدنهم واحد...
ستجدهم مع الجميع حمقى...
غلبت أحقادهم عقولهم وفطنتهم...
لا يملك المنافقون وذوو الأحقاد قدرة على التمثيل كثيرا...
سيظهرون ما في قلوبهم حتما في لحظة ما...
لكن هناك من يفطن...
ومن يتعامى..
حتى يقع المحظور...
وما بين الدرسين آيات تكمل المشهد...
الدرس الثالث/ (١ - ٣ قابيل وهابيل - الران):
هذا الدرس...
آياته بين ذلك القانون الذي رسخ لنا قبول الأعمال عند الله "إنما يتقبل الله من المتقين"، وبين ما سيطرت به النفوس على المرء فملكت عليه إرادته وأفعاله "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله" ...
هذا الدرس هو الذي يعلمنا إياه الأخ الصالح منهما...
يقول:
"لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)
الفرق هنا بين من يراقب الله ويخافه ويخشاه، وبين من جعله أهون الناظرين إليه...
بين رجل يعلم أن سنواته في الدنيا قليلة، وأنه لا قيمة لأن ينتقم لذاته ويخسر رضا مولاه وآخرته، وبين رجل كل ما يشغله إنفاذ حقده وحسده، ولا يعتروه شيء من خشية الله ومراقبته...
الفرق هنا بين رجل لا يرد السيئات بمثلها لأن رضا مولاه أولى عنده من حظ النفس، وبين رجل هانت عليه روح أخيه، وصحبته، وأنسه به في وقت ندر فيه عدد البشر أصلا...
هناك من البشر من يبيعون كل شيء وأي شيء مقابل حظوظ أنفسهم، وهناك من قد يضحون بكل شيء حتى بأرواحهم خشية الله ومخافته ورضاه...
ولكن...
دعنا نتساءل...
هل كان هابيل ضعيفا حين لم يدافع عن نفسه...
أتمنى من القراء مشاركتي في الإجابة...
هل استسلم للظلم بقوله: "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك"
لماذا لم تذكر الآيات دفاعه عن نفسه إن كان قد فعل؟
لا شك أن دفاعه كما تظهره الآيات كان بالحجة والبرهان، والتخويف من الخسران والمآل...
لقد أبان هدفه لعل أخاه يرتدع...
لقد أوضح أولا غايته هو بأنه يخاف الله رب العالمين...
وهذا يعني أنه يقول له: ألا تخاف الله وتخشاه؟!
لقد ذكره أيضا بقانون ردع النفس التي لا ترتدع بالخشية...
إنه قانون الخوف أو التخويف...
وهو قانون قد ينفع في إنابة البعض، ولا ينفع مع البعض، لأن قساوة قلوبهم تفوق ذلك...
قال له زاجرا: "إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين"
الظالم لن يتحمل إثمه فقط، بل إثم من ظلمه أيضا...
فالمظلوم له حق يجب أن يأخذه...
ويبدو أن قابيل ليس له حسنات يأخذها هابيل...
لذلك حملت آثام هابيل على أخيه الظالم، فطرحت عليه، ليطرح بالآثام جميعا في النار...
وهذا مآل كل ظالم...
لن يحمل وزره فقط، بل سيحمل على ظهره أيضا آثام من ظلمهم...
ومع كل هذا التخويف... لم يرتدع قابيل...
لقد قتل أخاه وكأنه لم يسمع شيئا...
لقد أُغلق سمعه وبصره وحواسه وقلبه عن الخوف والخشية...
الأحقاد والغيرة والحسد يا سادة تغلق أسباب الفهم والانتباه والخوف من الله...
تعطلها وهي موجودة...
لأن تأثيرها يملأ كيان الحاقد وقلبه وعينه وعقله...
فلا يرى ولا يسمع ولا يفهم...
جربت ذلك مرارا مع أناس لعل فيهم بصيص أمل من رجاء...
فوجدت قلوبهم مغلقة...
مهما قلت لهم..
وجدت تفكيرهم مركزا فقط على ما تحركه به قلوبهم من أحقاد...
لا يسمعون حين أخاطبهم...
ولم تتأثر قلوبهم حين ذكرتهم بالله مرات ومرات...
حاولت صرف قلوبهم لشيء تذوب له الحجارة وتخضع وتخشع...
فما وجدت إلا أحجارا صماء...
وإن كان من الحجارة لما يهبط من خشية الله...
وإن من الحجارة لما تتفجر منها الأنهار...
فانتبهوا يرحمكم الله...
واستعيذوا بالله من شر الحقد والحسد الذي يميت القلوب...
وانتبهوا عندما تكونون في نعمة...
فقلوب الناس حولكم ليست كقلوب الطير الخضر...
هناك من تشتعل عليهم قلوبهم نارا لمجرد أنكم في نعمة أو خير أو نجاح او أمن...
فإن كل ذي نعمة محسود...
حتى لو كانت النعمة ابتسامة أو فرحة...
فما بالكم بنعم أكبر وأعلى...
الطريق إلى العقول يا سادة يجب أن يمر على القلوب ابتداء...
فإن وجدتها مغلقة، فأرح نفسك من العناء.
أتمنى أن نعيَ الدرس، ونفطنَ إلى الحكمة، ونتأمل لماذا خص الله عباده بذكر هذه القصة، ونلحظ في حياتنا ما قد نكون قد وقعنا فيه نحو ما قرأنا، ونعود فرارا إلى الله مقبلين تائبين منيبين، لعل الله يقبلنا، ويرضى عنا!
انتهى
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!