طلب مستشار أو مدرب تسجيل حساب شركة أو هيئة تسجيل حساب خبير جديد تسجيل حساب مستفيد جديد تسجيل الدخول
طلب استشارة جديد

هل نكتشف الموهبة أم نصنعها؟

سلسلة" الموهبة الوطنية: من الاكتشاف إلى قيادة المستقبل"

١- هل نكتشف الموهبة أم نصنعها؟
كتبه. د/ صالح الجهني

من أكثر الأسئلة تداولًا في مجال الموهبة سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل أبعادًا علمية وتنموية عميقة:

هل الموهبة تُكتشف أم تُصنع؟

وعلى الرغم من كثرة الطرح حول هذا السؤال، إلا أنني أعتقد أن المشكلة ليست في الإجابة عليه، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى الموهبة نفسها.

فحين نتعامل مع الموهبة باعتبارها سمة فردية فقط، يصبح النقاش محصورًا بين الاكتشاف والصناعة.

أما عندما ننظر إليها بوصفها موردًا وطنيًا استراتيجيًا، فإن السؤال يتغير بالكامل.

ليصبح:

كيف نحول الإمكانات البشرية الواعدة إلى طاقات قادرة على قيادة المستقبل؟

وهنا تبدأ القصة الحقيقية للموهبة.

الموهبة لا تبدأ بالإنجاز

كثير من الناس يربطون الموهبة بالإنجازات الظاهرة.

لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الموهبة في بدايتها ليست إنجازًا، بل إمكانية.

هي قدرة كامنة.

واستعداد ذهني.

وطاقة فكرية.

وقابلية للتعلم والنمو.

هذه الإمكانات قد تظهر مبكرًا، وقد تبقى خفية لسنوات.

وقد تزدهر إذا وجدت البيئة المناسبة.

وقد تتراجع إذا غابت عنها الرعاية.

ولهذا فإن الموهبة ليست منتجًا جاهزًا نكتشفه كما نكتشف شيئًا مخفيًا فحسب.

وليست أيضًا مهارة نصنعها من العدم.

بل هي مزيج متكامل من الاستعدادات الفردية والفرص البيئية والتجارب التعليمية التي تتفاعل معًا لتصنع التميز.

لماذا تفقد بعض المواهب بريقها؟

من أكثر المشاهد التي تستحق التأمل أن بعض الأطفال الذين تظهر لديهم مؤشرات موهبة مرتفعة في سنوات مبكرة لا يستمرون بالزخم نفسه في مراحل لاحقة.

وفي المقابل نجد أفرادًا لم يبرزوا في طفولتهم، لكنهم أصبحوا لاحقًا من العلماء والمبدعين والقادة.

وهذا يؤكد أن الموهبة ليست نقطة وصول.

بل رحلة نمو طويلة.

فالقدرة وحدها لا تكفي.

والذكاء وحده لا يكفي.

بل تحتاج الموهبة إلى بيئة تؤمن بها، وفرص تتحدى قدراتها، وتجارب توسع آفاقها، وأشخاص يساعدونها على اكتشاف ذاتها.

من الاكتشاف إلى التنمية

هنا تظهر إحدى أهم القضايا في مجال الموهبة.

فالاكتشاف مهم.

لكنه ليس النهاية.

بل هو البداية فقط.

إن النجاح الحقيقي لأي منظومة لا يقاس بعدد من تم التعرف عليهم بوصفهم موهوبين، بل بعدد من تم تمكينهم من تحقيق أقصى إمكاناتهم.

فالاختبار قد يكتشف القدرة.

لكن البرامج النوعية هي التي تطورها.

والفرص هي التي تكشف مداها الحقيقي.

والتجارب هي التي تحولها إلى إنجاز.

تجربة وطنية تستحق التأمل

عندما نتحدث عن الموهبة في المملكة العربية السعودية، فإن من الصعب تجاهل التجربة الرائدة التي قدمتها مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع "موهبة".

فعلى مدى أكثر من عقدين أسهمت المؤسسة في بناء نموذج وطني متكامل للكشف عن الموهوبين ورعايتهم وتنمية قدراتهم.

ولم يقتصر دورها على اكتشاف المواهب فحسب، بل امتد إلى تصميم برامج إثرائية نوعية، وشراكات مع الجامعات والمدارس والجهات الوطنية، وإيجاد مسارات علمية تسهم في تطوير قدرات الطلبة الموهوبين.

والأهم من ذلك أن أثر هذه الجهود أصبح ملموسًا على المستوى الدولي.

فاليوم لم يعد حضور الطلبة السعوديين في المنافسات العلمية العالمية حدثًا استثنائيًا.

بل أصبح نتيجة طبيعية لمنظومة متكاملة من العمل المؤسسي.

ونشاهد ذلك بوضوح في الإنجازات المتكررة التي يحققها أبناء وبنات الوطن في معارض العلوم والهندسة العالمية، وفي مقدمتها معرض آيسف، إضافة إلى العديد من الأولمبيادات والمسابقات الدولية التي أصبحت المملكة منافسًا قويًا فيها.

هذه النتائج لا تصنعها الصدفة.

بل تصنعها الرؤية والاستثمار طويل المدى في العقول.

الموهبة مسؤولية وطنية

ورغم أهمية الدور الذي تقوم به موهبة، فإن بناء رأس المال البشري لا يمكن أن يكون مسؤولية مؤسسة واحدة مهما بلغت كفاءتها.

فالأسرة لها دور.

والمدرسة لها دور.

والجامعة لها دور.

والبحث العلمي له دور.

والقطاع الخاص له دور.

والمجتمع بأكمله شريك في هذه المهمة.

ولهذا فإن نجاح منظومة الموهبة يقاس بمدى تكامل هذه الأطراف، لا بجهود أي جهة منفردة.

ماذا يعني الاستثمار في الموهبة؟

حين تستثمر دولة في الموهبة، فهي لا تستثمر في فئة محدودة من الأفراد.

بل تستثمر في علماء المستقبل.

وفي المبتكرين.

وفي رواد الأعمال.

وفي القادة الذين سيقودون التنمية خلال العقود القادمة.

ولهذا فإن الاستثمار في الموهبة ليس مشروعًا تعليميًا فقط.

بل مشروع وطني واقتصادي وتنموي بامتياز.

رؤية للمستقبل

في تقديري أن السؤال الصحيح ليس:

هل نكتشف الموهبة أم نصنعها؟

بل:

كيف نبني منظومة تجعل كل موهبة مكتشفة قادرة على الوصول إلى أقصى إمكاناتها؟

كيف نربط الاكتشاف بالتنمية؟

والتنمية بالفرص؟

والفرص بالإنجاز؟

والإنجاز بالأثر الوطني؟

عندها فقط تتحول الموهبة من قدرة فردية إلى قوة وطنية.

كلمة أخيرة

أؤمن أن الموهبة ليست امتيازًا لفرد، بل فرصة لوطن.

وأن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة هو الاستثمار في العقول القادرة على صناعة المستقبل.

لقد نجحت المملكة خلال السنوات الماضية في بناء تجربة رائدة في اكتشاف الموهوبين ورعايتهم، وأسهمت مؤسسة موهبة بدور محوري في هذا التحول النوعي.

لكن المرحلة القادمة تتطلب ما هو أبعد من الاكتشاف.

تتطلب بناء منظومة وطنية متكاملة تجعل من كل موهبة قصة نجاح، ومن كل قصة نجاح إضافة جديدة لمسيرة الوطن.

فالموهبة الحقيقية ليست ما نكتشفه في الأفراد فقط...

بل ما نصنعه من أثر من خلالهم.

شارك المقالة:

هل تحتاج إلى استشارة متخصصة؟

احصل على استشارة احترافية من خبرائنا المعتمدين

التعليقات

0 تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذه المقالة!