عادة العرب في اختيار أسمائهم وألقابهم وكناهم
كتبه الدكتور/ محمود علي يوسف يوسف
الحمدُ لله الذي فَتَقَ العقولَ بمعرفته، وأطلقَ الألسنَ بِحَمْدِهِ، وَجَعَلَ ما امْتَنَّ بِهِ مِنْ ذلك على خَلْقِهِ كِفاءً لتأديةِ حَقِّه , وأشْهَدُ لك(جل جلالك) بالإخلاصِ أنْ لا إلهَ غيرُك, وأصلِّي وأسَلِّمُ على رسولِكَ r الذي آتيتَهُ الحِكمةَ وفَصْلَ الخِطَابِ، وعَصَمْتَهُ مِنَ الزَّلل، وألهمتَهُ الصَّوَابَ ، وبعد،
فموضوعُ هذه المقالةِ يدورُ حول عادةِ العربِ في اختيار أسمائهم وألقابهم وكناهم من خلال رصدِ ذلك على أسماءِ طائفةٍ منهم وهم الشعراء، ويطيبُ للباحث في هذه المقالة أنْ يعرضَ ملمحا مهما من ملامح تفسيرِ الجانب الاجتماعيّ للغة، وأثرَه في اختيارِ الكلماتِ، وذلك من خلال بعضِ المحاور المهمّة:
المحور الأول: (الاسم بين سكان البادية والحضر)
كانت عادةُ العربِ في اختيارِ أسمائِهم وأسماءِ أبنائهم وألقابهم وكُنَاهم مطبوعةً بطابعِ حياتِهم ومعايشهم؛ فلو تتبعنا اشتقاقِ الأعْلامِ، وبيانِ مدلولها اللُّغويّ ، وطبيعةِ أصواتها، ودواعي الكُنى والتَّلقِيبِ فيها، لوجدنا أن هذه الأسماءَ والألقابَ والكُنى قد عكستْ طبيعةَ البيئة التي يعيشونها ؛ فاختلفتْ أسماءُ شعراءِ البَوادِي والأعْرَابِ عن أسماءِ سُكَّانِ المُدنِ والحَضَرِ، وظهرت في البيئةِ الأولى أسماءٌ تحملُ معاني القوّةِ والغَلَبَةِ والقَهْرِ والشدّةِ والبأسِ، ولم يَتَورَّعُوا في اختيار أسماء السِّباعِ والطيورِ الكواسر ترهيبا لأعدائهم ؛ فسمُّوا : (أسد)، و(ليث)، و(فهْد)، و(حَفْص)، و(عُقَاب)، و(غالِب)، و(غلّاب)، و(مُقاتِـل)، و(نائِـل)، ونحو ذلك من أسماء تحملُ في أصْلِ اشتقاقها طبيعةَ َبِيئَتِهِمُ وحياتِهم وما يُكَابِدُونَهُ مِنْ أحوال وأقوال، كما انطبعَ أثرُ البيئةِ في خُشُونَةِ ألفاظِهمُ، وغِلَظِ أصواتهم، وَسَعَةِ أشْدَاقِهِمُ، لِتُنَاسِبَ طبيعةَ حياتهم في الصَّحراء وفراغِها الذي تضيعُ فيه الأصواتُ المهموسةُ الرقيقةُ .
أما عربُ البيئةِ الثانيةِ وهم أهلُ الحَوَاضِرِ، فقد عكستْ أسماؤُهم وألقابُهم وكُناهم طبيعةَ المهامِ التي يزاولونها؛ فقد شغلتهم التجارةُ والزراعةُ والبيعُ والشِّراءُ ونحو ذلك؛ فسَمُّوا أبناءهم ولقَّبُوهم ألقابا تُعَبِّرُ عنِ الفأْلِ والرِّبح والفوزِ والحَظِّ، فكثرتْ أسماءُ: (سعيد)، و(سليمان)، و(عمر)، و(عامر)، و(حارث)، و(همّام)، و(الرّبيع)، و(السُّهَيل)، و(ميمونة)، و(آمنة) و(مُلَيْكَة).
كما اشتقت العرب كثيرا من أسمائها وأسماء أبنائها من معاني الرِّفعة والعلو والفضل والمفاضلة والقوة والبأس؛ (فالصلتان والصلت: من المَضَاءِ في الأمور، والشّمّاخ من العلو والارتفاع، وغالب، وسلامة، وزيد وزياد، وسعيد ومسعدة، وغياث وغوث، وبشر وبشار، وحميد، وميمون، وهاشم).
المحور الثاني: (أسماء منقولة من البيئة)
ومن عادة العربِ اختيارُ أسماء منقولةً من واقع بيئتهم وحياتهم، والمرتجلُ منها قليلٌ، نحو: السموأل بن عادياء، وكان أكثرُها المنقولُ عن النبات والحيوان وما يتعلق بهما؛ فـ(الخطِيم): من خطام البعير، و(الأرطاة): شجرة ورقها مفتول ومنبتها الرمال، و(آكل المرار): من المرار وهو نوع من الشجر تأكله الإبل، و(الأرقم): من الحية الأرقم وهو الشّجاع، أو تشبيها بالنقش عليها، و(بَلْعاء): من بئر بلعاء، أي: واسعة، (ثُرْملة): علم منقول من اسم حيوان هو الثعلب، و(أبو ثُمامة): علم منقول عن نوع من النبت, و(حُذَيفة): تصغير حَذَفَة وهو طائر شبيه بالإوز، و(رَأْلان): ولد النعام، و(علقمة): الحنظل، و(جَرِير): عَلَمٌ منقولٌ عن الحَبْلِ في عُنقِ الدابة والبعير، و(جَرْوَل): وهو اسم الحطيئة من الأرض ذات الحجارة يصعب فيها المشي، و(شمعلة): اسم شاعر، منقول عن اسم حيوان محبب إلى العرب، وهو الناقة السريعة، و(طَرَفَة): من الطرفاء، وهي نوع من الشجر، و(عنترة): الذباب الأزرق.
المحور الثالث: (سنن العرب في التلقيب)
للعربُ في الألقابِ نفسُ المذهبِ؛ فقد يُعبِّرُ اللقبُ عن مدحِ صفةٍ ما، أو خُلقٍ كريمٍ، أو ذمِّ هيئةٍ، أو سلوكٍ منبوذٍ، كما حملت ألقابُهم دلالاتِ التَّشرِيف، والتَّحقير، والفأل، والتشاؤم، والاستخفاف والسُّخْرِيَةِ، ونحوها.
وقد لجأ العربُ إلى التلقيب بالضدِّ تفاؤلا؛ فلقبوا مَنْ أصابَهُ داءُ البَرَصِ بالأبرش والوضَّاح الذي هو أخفُّ وطأةً من إطلاق الاسم المباشر للمرض وهو الأبرص، (والبَرَشُ: أن يكون الشيءُ ذا نقطٍ متفرقة بيضٍ أو حُمْرٍ)، كما كنوا الشاعر محمد بن القاسم بن خلّاد، وكان ضريرا، بأبي العيناء تفاؤلا بالسلامة، وكذلك فعلوا مع الأعمى أو الضرير، فكنوه بأبي بصير، والأعمش كنوه بالمُصَبِّح تفاؤلا بالرؤية في الصباح؛ فالأعمش هو الذي لا يرى إلا بالليل.
ومن الألقاب ما تشاءم منها العربُ؛ فالجارودُ لقبٌ لحقَ الشاعرَ (بِشر بن عمرو القيسيّ) لأنه فَرَّ بإبلِهِ إلى أَخْوالِهِ، وكان فيها داء، ففشا في إبلهم، فدُعِي بذلك، وكان هذا اللقب مما يُتَشاءمُ به عند العرب عندما يُذكر، وذهبتْ عَلاقته بالشخصِ لتتسعَ دلالته على كل ما يكون شؤما على غيره، ويتسبب في هلاكهم أو هلاك ما عندهم.
واحتلت الألقاب بجزء من جسم الإنسان أغلب ألقاب الشعراء؛ نحو: (لون الوجه والجسم): للشاعر الأخضر اللهبي، و(سُحَيم) و(الأشقر)، أو (آثار في الوجه) نحو: (الأرقط) وهو سواد يشوبه نقط بيض. والإشارة إلى العين نحو: (الأحجم) و(الأحوص) و(الأخوص) و(الأخفش) و(الأشتر– وهو انشقاق جفن العين أو انقلاب فيه أو استرخاء) و(المُكَحّل)، واللقب نسبة للشفة نحو: (الأعلم – مشقوق الشفة) و (الأفوه – غليظ الشفتين) و(الفلحاء ـ وهو لقب عنترة وهو شق في وسط الشفة)، ومنهم من لقب لوصف حالته النفسية، نحو: (الحزين) للشاعر الأموي عمرو بن عبيد بن وهيب، و(المقنّع): لأنه كان يخشى الحسدَ لجمالِهِ، وكان يمشي مُقنَّعا.
وهناك من الشعراء من وافق سلوكه أو شعره شعرَ الأوائل، فلحق به لقبُ الأول تشبيها وإلصاقا، نحو: الأخطل الصغير ، والأخيطل، والشاعر موسى بن جابر المعروف بابن الفريعة، لقب بأزيرق اليمامة تشبيها بزرقاء اليمامة في حدة البصر ، وهناك الشاعر الجاهلي جبار بن عمرو الذي لحقه لقبُ جَدِّه "الأسد الرهيص" لأنه ورث عنه الشجاعة والفروسية، فلحقه لقبه، ومن الشعراء من لُقِّبَ بمقارنته بأبيه ؛ فحماد البارد الشاعر العباسي لُقِّبَ بذلك لمقارنته بأبيه الذي كان كالنار الموقدة في الظُّرْف والخفة، وبعض الشعراء نُسِبَ لأمه إما لشهرتها فلحق بها ،أو لأنه كان مجهول النسب مَغْمُوزَهُ، نحو (أرطأة بن سُهيّة)، وابن الفُرَيْعَة، وفيه ألف (ابن حبيب) مَنْ نُسب إلى أمه من الشعراء .
المحور الرابع: (مذهبهم في الكنى)
انعكس في اختيار العرب للكنى دلالاتُ التفاؤلِ والرَّجَاء والتعظيم وخِصال الفضل والشجاعة كـ " أبي الفضل " و" أبي الوفاء "، كما كانت الكنيةُ بـ " أبي فلان " ونحوها وسيلةً للتَّخفِّي والمُدَاراة، أو لتجنبِ ذكر عَيبٍ أو عاهةٍ ما، كـ " أبي بصير " للأعمى تفاؤلا بالسلامة والرؤية، و " أبي الوضَّاح " للأبرص، أو للإيماء إلى الضِّدِّ كـ " أبي يحيى " وهي كُنية ملك الموت.
كما كنوا باسم الابن الأكبر، وهو معروف عند العرب، ومنهم مَن لم يُعرف له اسم غير كنيته، مثل الشاعر (أبو العيال)، لا يُعْرَف إلا بكنيته هذه، وكذلك (أبو كلبة) الشاعر، وكلبة: اسم ابنته. واختُلِف حول اللقب الذي بصيغة الكنية، هل يكون كنية خالصة لكونه ابتُدئ بأب أو بأم؟ أم يكون لقبا خالصا ولو صُدِّرَ بهما لدلالته على وصف، وفي ذلك آراء، ونحو ذلك: (أبو تمام): لقبٌ بصيغة الكنية، لحقه لتمتمةٍ في لسانه، والأصل أن يكون التَّماّم أو التمتام أو ذي التمتمة أو نحو ذلك، والشاعر (أبو البهار): لُقِّبَ بذلك لأنه كان كثير المدح له في أشعاره، و(أبو الشيص): قيل لقبٌ وليس بكنية، وهو منقول عن رديء التمر.
المحور الخامس: (مخالفة سنن العرب في اللقب والكنية)
لم تكن ألقاب العاهات والأمراض التي تلحق بأصحابها – في كثير من الأحايين – للدلالة على الانحطاط وقلة الشأن؛ فقد تفاخر كثيرٌ من الشعراء بعاهاتهم، فالبَرَصُ (الأبرص الشاعر) قد يكون زيادة في جمال صاحبه، ودليل المجد، والعَرَجُ (الأعرج الشاعر) لا يمنع كفاءة الرجل أو المعاشرة، وقد يكون الأعمى أهدى من البصير وأفطن، وربما كان مدعاة للذكاء والعِلم والفهم ونور البصيرة، ينظر ما قيل في اسم الشاعر (بلعاء بن قيس). ولم تكن الألقاب متاحة دائما لكل من كان أرضا خصبة لها أو كان مليئا بالعيوب الجسمية أو الخُلقية؛ فـ (بشار بن بُرْد) كان أكمه، مجدورا، ضخما، جاحظ المقلتين، عظيم الخَلْق، ومع ذلك اشتُهِر باسمه دون كل هذه الأوصاف.
كما يظهر في ألقاب الشعراء آثارَ الاحتكاك بين الشعوب؛ فلقبُ (صنّاجة العرب)، وهو لقب (الأعشى) لحِقَ به لأنه أولُّ من ذَكَرَ (الصَّنْج) في شعره، والصَّنْجُ: كلمةٌ معرّبة تختص بها العَجَمُ، وهو آلة موسيقية ذات أوتار، وكذلك (أبو الشيص)، قيل: إنه فارسي معرب، ومثله (الكُميت): معرب عن كلمة فارسية، كما لُقِّب الشاعر الأموي علي بن خالد الضبيّ بـ (البَرْدَخْت)، وتعني الفارغ بالفارسية.
المحور السادس: (إسراف في التقليب)
لا شك أن هناك إسرافا في اللجوء للتلقيب في كثير من الأحايين؛ فالعرب جعلت لكل مناسبة لقبا، استحقت ذلك أم لا؛ فالشاعر الأموي (ثابت بن قطنة) لحقه لقب قطنة لأن سهما أصاب إحدى عينيه، فذهب بها، فكان يحشوها قطنة، فلم يعرف إلا بذلك، ونسي الناس اسمه ونسبه، حتى اسم (جرير) وهو عَلَمٌ منقول عن الحبل في عنق الدابة أو البعير، سُمي بذلك لرؤيا أمه وهي حامل فيه أنها تلد حبلا من شعر أسود، وهو من الأسماء القليلة التي يُعلل إطلاقها، و(ذو الكلب): لقب الشاعر الجاهلي عمرو بن العجلان، لأنه كان معه كلب لا يفارقه, والجَفُول: لقب الشاعر (مالك بن نويرة)، دُعي بذلك لأنه جفل إبل الصدقة، أي: ذهب بها وطيّرها, و(سلم الخاسر): سمي بذلك لأنه ضيّع ما ورثه عن أبيه في الإنفاق على الأدب, والشاعر (ذو الإصبع العدواني): لحقه اللقب لأن أفعى نهشت رجله، فقطعت أصبعه.
انتهى.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!