القيادة النيوكارزمية ودورها في بناء مؤسسات خضراء مستدامة
كتبه. د/ عصام محمد كريري
نكتب السياسات، نعقد الدورات، نُدرج الاستدامة في الوصف الوظيفي، ثم نتفاجأ أن الواقع لم يتغير، لماذا؟ لأننا نُعالج المظاهر، ونتجاهل البنية، نعتقد أننا نُغيّر السلوك، بينما نحن نُحسّن الخطاب فقط
لم تعد الاستدامة خياراً تنظيمياً، بل أصبحت معياراً حاكماً لنجاح المؤسسات، لا سيما في القطاع التعليمي، وفي هذا السياق، برزت ممارسات إدارة الموارد البشرية الخضراء كأحد أهم المداخل الحديثة التي تسعى إلى دمج البعد البيئي في وظائف الموارد البشرية؛ بدءاً من تصميم الوظائف، ومروراً بالاستقطاب والتدريب، وصولاً إلى التحفيز وتقييم الأداء، بيد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تبني هذه الممارسات نظرياً، بل في مدى قدرتها على التحول إلى سلوك يومي راسخ داخل الكيان التنظيمي
وتشير الأدبيات المتخصصة إلى أن هذه الممارسات تساهم بفاعلية في رفع الوعي البيئي لدى العاملين وتعزيز التزامهم بالسلوكيات الصديقة للبيئة، مما ينعكس إيجاباً على الأداء المستدام، ومع ذلك، تكشف التجربة العملية أن كثيراً من هذه المبادرات تظل حبيسة الأدلة التنظيمية، أو تتحول إلى إجراءات شكلية تفتقر إلى العمق السلوكي، وهنا تبرز الفجوة بين النظام والسلوك
ولسد هذه الفجوة، تبرز القيادة النيوكارزمية كنمط قيادي قادر على التأثير في القيم والدوافع الجوهرية، فالقائد النيوكارزمي لا يكتفي بتوجيه المرؤوسين نحو الالتزام بالسياسات، بل يعمل على إكسابها معنىً أعمق، وتحفيزهم لتبنيها كجزء من قناعاتهم الشخصية، بهذا المفهوم، يُعد هذا النمط القيادي جسراً يحول الممارسات الخضراء من مجرد تعليمات إلى ثقافة مؤسسية أصيلة
لكن، هل يكفي التأثير القيادي وحده لتحقيق الاستدامة؟ الواقع يشير إلى غير ذلك؛ فالمؤسسات التي تعتمد بشكل مفرط على كاريزما القائد غالباً ما تواجه تراجعاً حاداً عند غيابه، لأن البناء لم يكن مؤسسياً بالقدر الكافي
ومن هنا، فإن الدمج بين القيادة النيوكارزمية وممارسات الموارد البشرية الخضراء يجب أن يقوم على منطق التكامل بالمستوى الإجرائي في المحاور التالية
- تحليل وتصميم العمل الأخضر بدلاً من أن يكون مجرد إضافة مهام بيئية للوصف الوظيفي، يصبح –في ظل قيادة ملهمة– رسالة ذات قيمة؛ يشعر معها الموظف أن دوره يتجاوز الأداء الروتيني ليكون مساهماً في حماية الأرض وخدمة المجتمع.
- التوظيف والاستقطاب الأخضر لا يقتصر البحث هنا على الكفاءات التقنية، بل يمتد لاستقطاب أفراد يحملون قِيماً بيئية تتسق مع رؤية المؤسسة، وهنا تبني القيادة النيوكارزمية صورة ذهنية جاذبة للمؤسسة بوصفها كياناً ذا رسالة سامية.
- التدريب والتطوير الأخضر يكمن الفرق في النهج النيوكارزمي في تحويل التدريب من وسيلة لنقل المعرفة إلى أداة لإعادة تشكيل الفكر؛ عبر ربط المحتوى بواقع العمل واستخدام أساليب مؤثرة تدمج بين الإقناع المعرفي والتحفيز العاطفي.
- التحفيز الأخضر تساهم القيادة النيوكارزمية في نقل الحوافز من بعدها المادي الضيق إلى أفق أوسع يرتبط بالتقدير المعنوي والهوية التنظيمية، ومع ذلك، يظل التوازن مطلوباً؛ إذ إن تجاهل الحوافز المادية يُعد خطأً إدارياً، فالاستدامة لا تُبنى بالقيم وحدها.
- تقييم الأداء الأخضر يمثل هذا اختباراً حقيقياً؛ حيث تحول القيادة الواعية التقييم من أداة رقابية منفرة إلى وسيلة للتطوير الذاتي، مع ضمان موضوعية القياس ودقته
إن نجاح ممارسات إدارة الموارد البشرية الخضراء لا يتوقف على وجودها في الهيكل التنظيمي، بل على كيفية تفعيلها، فالقيادة النيوكارزمية رغم قدرتها الفائقة على إحداث تحول سلوكي، لا يمكن أن تعمل بمعزل عن أنظمة واضحة وحوكمة رشيدة، فالنموذج الأكثر فاعلية هو الذي يزاوج بين الممارسات الخضراء، وحيوية القيادة النيوكارزمية، والإطار المؤسسي المنظم؛ لتحويل الاستدامة إلى ممارسات راسخة وجزء لا يتجزأ من هوية المؤسسة.
إنتهى،،،
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!