مؤشرات الأداء ونواتج التعلم...بين قوة المؤشر وجودة التطبيق
كتبه. د/ عبدالعزيز عوض العتيبي
تُعد مؤشرات الأداء أحد أهم أدوات تطوير الأنظمة التعليمية الحديثة، إذ تمثل قاعدة معلومات استراتيجية لصناع القرار في تشخيص الواقع، وقياس جودة المخرجات، وتوجيه خطط التحسين المستمر. ومن هذا المنطلق، تمثل الجهود التي تبذلها هيئة تقويم التعليم والتدريب في بناء منظومة المؤشرات، وتنفيذ الاختبارات الوطنية، وتصنيف المدارس، نموذجًا وطنيًا متقدمًا يستند إلى فلسفة الإصلاح التربوي القائم على المعايير (Standards-Based Reform)، وهي إحدى أبرز الحركات الإصلاحية في التربية المعاصرة.
ولا شك أن وجود مؤشرات وطنية موحدة يرفع من جودة المساءلة، ويعزز ثقافة التحسين المبني على البيانات، ويُسهم في توجيه الموارد نحو مواطن القوة وفرص التطوير. إلا أن الأدبيات العلمية تؤكد أن قيمة أي مؤشر لا تعتمد على جودة تصميمه فحسب، بل تعتمد كذلك على جودة العمليات التي أُنتج من خلالها؛ فالقياس الدقيق يبدأ من إجراءات قياس دقيقة، ويكتسب مصداقيته من عدالة التنفيذ واتساقه.
ومن خلال خبرتي العملية كأخصائي تقويم، وعملي المباشر في تحليل مؤشرات الأداء المدرسي، تبرز أمامي ملاحظة تستحق الدراسة العلمية؛ ففي بعض المجمعات التعليمية التي تضم المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية، تظهر مؤشرات أداء مرتفعة في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، بينما تنخفض بصورة ملحوظة في المرحلة الثانوية، رغم أن هذه المراحل تعمل تحت قيادة مدرسية واحدة، وفي بيئة تنظيمية وإمكانات متقاربة.
إن هذه الملاحظة لا ينبغي تفسيرها مباشرة بأنها تعكس فروقًا حقيقية في جودة التعلم، كما لا يجوز إرجاعها إلى عامل واحد بعينه، وإنما تستدعي دراسات علمية تبحث في مجموعة من المتغيرات المؤثرة، مثل طبيعة المرحلة الدراسية، ودافعية الطلاب، وخصائص أدوات القياس، ومستوى اتساق إجراءات التطبيق بين مراكز التنفيذ، ومدى توحيد الممارسات الإجرائية لدى المتعاونين القائمين على تطبيق الاختبارات الوطنية.
وفي هذا السياق، يلفت الانتباه ما طرحه ألفي كون (Alfie Kohn) في كتابه «مرافعات ضد الاختبارات المعيارية: ارتقاء وهمي في سلم الترتيب وانحدار مؤكد في مستوى التعليم»، حيث يناقش بصورة نقدية أثر الاعتماد المكثف على الاختبارات المعيارية واسعة النطاق، مستشهدًا بتجارب أمريكية من بينها اختبارات NAEP الوطنية، ويؤكد أن نتائج هذه الاختبارات ينبغي أن تُفسر في ضوء سياقاتها التنفيذية، وألا تتحول إلى غاية بحد ذاتها أو إلى المؤشر الوحيد للحكم على جودة التعليم، لأن سلامة القرارات تتطلب قراءة شاملة لمصادر البيانات المختلفة، وليس الاكتفاء بنتيجة اختبار واحد.
وهذا الطرح لا يقلل من أهمية الاختبارات الوطنية، بل يؤكد أن موثوقية المؤشرات ترتبط بسلامة منظومة القياس بأكملها؛ بدءًا من بناء الأداة، ومرورًا بعدالة إجراءات التطبيق، وانتهاءً بتحليل النتائج وتفسيرها في سياقها الصحيح.
ولذلك، فإن المرحلة القادمة قد تستفيد من إجراء دراسات وطنية تتناول أثر العوامل التنفيذية المصاحبة لتطبيق الاختبارات، وتحلل التباينات بين المراحل الدراسية داخل البيئة المدرسية الواحدة، بما يسهم في تعزيز دقة مؤشرات الأداء، ويرفع من جودة القرارات المبنية عليها.
فالمؤشرات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحسين نواتج التعلم، وكلما ارتفعت جودة القياس، ازدادت جودة القرار، واقتربنا أكثر من تحقيق مستهدفات تطوير التعليم.
المراجع
- Kohn, A. The Case Against Standardized Testing: Raising the Scores, Ruining the Schools. (الترجمة العربية: مرافعات ضد الاختبارات المعيارية: ارتقاء وهمي في سلم الترتيب وانحدار مؤكد في مستوى التعليم).
- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). PISA Assessment and Analytical Framework.
- هيئة تقويم التعليم والتدريب. الأدلة والمنهجيات الخاصة بالاختبارات الوطنية ومؤشرات الأداء المدرسي.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!