بين الرجل والمرأة… من يرتكب الجريمة أكثر؟
قراءة سردية معمّقة في الأرقام والواقع
كتبه. المستشار/ سعيد عالي الغامدي
حين نتأمل صفحات الأخبار، أو نتابع التقارير الجنائية، يتبادر إلى الذهن سؤال قديم يتكرر بصيغ مختلفة: هل يرتكب الرجال الجرائم أكثر من النساء؟ أم أن الصورة التي رسمها الإعلام والمجتمع عبر الزمن جعلتنا نرى الأمر بهذه الطريقة؟
هذا السؤال لا يتعلق بالمقارنة لمجرد المقارنة، بل يرتبط بفهم أعمق لطبيعة السلوك الإنساني، وللكيفية التي تتشكل بها أنماط الجريمة داخل المجتمعات. وعند العودة إلى الإحصاءات العالمية، نجد أن الأرقام تميل بوضوح إلى جانب الرجال. فبحسب تقارير صادرة عن United Nations Office on Drugs and Crime، يشكل الرجال النسبة الأكبر من مرتكبي الجرائم حول العالم، وخاصة الجرائم العنيفة كالقتل والاعتداءات الجسدية والسطو المسلح. في العديد من الدول، تتجاوز نسبة الرجال في جرائم القتل 80% من إجمالي الجناة، وهي نسبة تعكس فجوة واضحة بين الجنسين فيما يُعرف بـ “الفجوة الجندرية في الجريمة”.
لكن الأرقام، على أهميتها، لا تروي القصة كاملة.
طبيعة الجريمة… اختلاف في الشكل لا في الإنسانية
إذا تأملنا طبيعة الجرائم المرتكبة، سنلاحظ أن الاختلاف لا يقتصر على الكم، بل يمتد إلى النوع والأسلوب. فالجرائم التي يرتكبها الرجال غالبًا ما تتسم بالمواجهة المباشرة واستخدام القوة، سواء في الاعتداءات الجسدية أو الجرائم المرتبطة بالعصابات أو النزاعات العنيفة. هناك حضور واضح للعنف الجسدي كوسيلة لتحقيق الهدف أو فرض السيطرة.
في المقابل، حين ترتكب النساء جرائم، فإنها – في المتوسط – تميل إلى أن تكون أقل عنفًا. تبرز بعض الجرائم الاقتصادية مثل الاحتيال أو الاختلاس، أو السرقات الصغيرة، أو الجرائم المرتبطة بظروف أسرية معقدة. لا يعني ذلك غياب النساء عن الجرائم العنيفة تمامًا، لكنه يشير إلى اختلاف نسبي في النمط العام.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل يعود هذا الاختلاف إلى طبيعة فطرية بين الرجل والمرأة؟ أم أنه انعكاس لتنشئة اجتماعية وأدوار ثقافية ترسخت عبر عقود طويلة؟
التنشئة الاجتماعية… حين يصنع المجتمع ملامح السلوك
منذ الطفولة، يتلقى الذكور والإناث رسائل مختلفة حول القوة، والجرأة، والانفعال، والتعبير عن الغضب. في كثير من الثقافات، يُشجع الذكور – صراحة أو ضمنيًا – على الجرأة والمنافسة والمخاطرة، بينما تُربّى الإناث على الحذر وضبط النفس وتجنب المواجهة.
هذه الفوارق في التنشئة قد تنعكس لاحقًا على أنماط السلوك، بما في ذلك السلوك المنحرف. فإذا كان المجتمع يمنح الرجل مساحة أوسع للحركة والاحتكاك بالشارع والعمل والمخاطرة، فمن الطبيعي أن ترتفع احتمالية تورطه في أنشطة خطرة أو غير قانونية. في المقابل، فإن محدودية الحركة الاجتماعية لبعض النساء قد تقلل فرص الانخراط في بعض أنواع الجرائم، لكنها لا تلغي احتمالية الانحراف في سياقات أخرى.
إضافة إلى ذلك، تلعب الضغوط الاقتصادية دورًا كبيرًا. فالفقر، والبطالة، والتهميش الاجتماعي، كلها عوامل ترتبط بارتفاع معدلات الجريمة لدى الجنسين، وإن كانت أنماط الاستجابة تختلف.
البعد النفسي والبيولوجي… تفسير أم تبسيط؟
يحاول بعض الباحثين تفسير الفجوة الجندرية من منظور بيولوجي، مشيرين إلى تأثير بعض الهرمونات المرتبطة بالسلوك العدواني. غير أن هذا التفسير، وإن كان يحمل جانبًا من الصحة العلمية، لا يكفي وحده لتفسير الفروق المعقدة في معدلات الجريمة.
فالإنسان ليس نتاج هرموناته فقط، بل هو حصيلة بيئة وثقافة وتجارب شخصية. كثير من الجرائم ترتبط بصدمات نفسية، أو بعنف أسري سابق، أو بتعرض الشخص نفسه لاعتداءات. وتشير دراسات اجتماعية إلى أن نسبة معتبرة من النساء اللواتي تورطن في جرائم عنيفة كنّ ضحايا عنف سابق، ما يعكس دائرة معقدة من الألم ورد الفعل.
بمعنى آخر، الجريمة لا تولد في فراغ، بل تنشأ غالبًا في بيئة مضطربة.
هل تتغير الصورة مع الزمن؟
مع التحولات الاجتماعية المتسارعة، وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل والمجال العام، بدأت بعض الإحصاءات تشير إلى تغير طفيف في أنماط معينة من الجرائم، خاصة الاقتصادية منها. ومع ذلك، لا تزال الفجوة العامة واضحة، إذ يبقى الرجال في الصدارة من حيث نسبة الإجرام الإجمالية، وخصوصًا في الجرائم العنيفة.
لكن اللافت أن النقاش لم يعد يركز فقط على “من يرتكب أكثر”، بل على “لماذا تُرتكب الجريمة أصلًا؟”. فالمجتمعات التي تنجح في تقليص الفقر، وتعزيز العدالة، وتحسين التعليم، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، تشهد انخفاضًا عامًا في معدلات الجريمة لدى الجنسين معًا.
ما وراء الأرقام… الإنسان أولًا
من السهل أن نحول النقاش إلى مقارنة حادة بين الرجل والمرأة، لكن ذلك قد يقود إلى تعميمات ظالمة. فالغالبية العظمى من الرجال لا يرتكبون جرائم، والغالبية العظمى من النساء كذلك. الجريمة تبقى سلوكًا فرديًا، حتى لو أظهرت الإحصاءات ميولًا عامة.
الحديث عن ارتفاع نسبة الإجرام لدى الرجال لا يعني وصمًا لجنس بأكمله، كما أن انخفاضها لدى النساء لا يعني انعدامها. بل هو دعوة لفهم أعمق لطبيعة المجتمع، وللظروف التي قد تدفع بعض أفراده – رجالًا كانوا أم نساء – إلى الانحراف.
خاتمة: ما الذي نتعلمه من المقارنة؟
الخلاصة الإحصائية واضحة: الرجال يسجلون نسبًا أعلى في ارتكاب الجرائم، خاصة الجرائم العنيفة. لكن الخلاصة الإنسانية أعمق: الجريمة ليست مسألة جنس بقدر ما هي نتيجة تفاعل معقد بين الفرد وبيئته.
حين نعالج جذور المشكلة – من فقر وتفكك أسري وعنف وتهميش – فإننا لا نحمي جنسًا دون آخر، بل نحمي المجتمع بأكمله.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم ليس: من يرتكب أكثر؟
بل كيف نبني بيئة تقل فيها دوافع الجريمة لدى الجميع؟
انتهى،،،
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!