إعادة بناء مفهوم النجاح: من النجاح في فصول الدراسة إلى النجاح في الحياة
كتبه. أ. د/ أحمد علي المعمري
من أجل الصمود والازدهار من الواجب تحويل وتحوير وإعادة تعريف النجاح مفاهيميا وحياتيا، فمن غير المعقول الحديث عن النجاح الشخصي أو المؤسسي بعيدا عن كينونة الانسان ذي المعنى، فالنجاح المرتبط بالشخصنة المفرطة، والتوحش المادي يجب إعادة النظر فيه، مع ضرورة الانتقال الى النجاح المحقق للذات والكينونة الإنسانية في سبيل الوصول الى رضا الله أولا ثم تحقيق الذات والامتلاء الحياتي ثانيا وصولا الى المعنى الحقيقي والعميق في الطريق الى الازدهار والتمتع بحياة متصلة بين حياة الدنيا والأخرى.
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾، (القصص 77)
في عصر التسارع التقاني والرقمنة، تحول مفهوم (النجاح) إلى صنم يعبد من دون تفكير؛ أرقام تتصاعد، ومناصب تتغير، وتصفيق خارجي مستمر.، وفي خضم هذا الضجيج، نجد أنفسنا أمام حقيقة صادمة: كثيرون صعدوا سلم النجاح بسرعة مذهلة، ليكتشفوا في القمة أن السلم كان مسنوداً على الجدار الخطأ. هنا تبرز الحاجة الماسة لعملية (إعادة البناء المفاهيمي والمعرفي والقيمي) بصورة شاملة وعميقة لمفهوم النجاح، لا تستند إلى التراكم المادي فحسب، بل إلى وعي جديد يرتكز على ثلاثية: المعنى، والقيمة، والمسار.
أولاً: استرداد (الكينونة والمعنى) من براثن التشيوء وسيطرة المادية.
إن الخطوة الأولى في هذا البناء الجديد هي فك الارتباط بين النجاح وبين "الإنجاز" المجرد. النجاح الحقيقي ليس مجرد الوصول إلى هدف، بل هو الإجابة عن سؤال "لماذا؟". حين يفتقر النجاح إلى معنى روحي أو إنساني يغذيه، يتحول إلى "فشل فاخر"؛ حالة من الفراغ الداخلي المغلف ببريق خارجي. الوعي الجديد يقتضي أن يكون النجاح حالة شعورية بالامتلاء، وليس حالة رقمية في الحسابات البنكية أو النجاح الدراسي / الأكاديمي.
ثانياً: تحرير "القيمة" من معايير التسليع
لقد اختزلنا قيمة الإنسان طويلاً في "ما يملك" أو "ما ينتج"، متجاهلين "من يكون". إعادة بناء النجاح تتطلب تحويل البوصلة من القيمة السوقية (كم تساوي؟) إلى القيمة الجوهرية (ماذا تضيف؟). النجاح الأصيل يقاس بالأثر الذي نتركه في أنفسنا وفي الآخرين، وبالقدرة على البقاء صادقين مع مبادئنا في عالم يغرينا بالتلون. القيمة الحقيقية هي أن تكون "أنت" في عالم يحاول جعلك نسخة مكررة من الآخرين.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ الرعد: 17
ثالثاً: تصحيح (المسار) الرحلة أهم من المحطة
من منظور الوعي التقليدي فالنجاح عبارة عن خط مستقيم نهايته السعادة، لكن الوعي الجديد يدرك أن النجاح مسار متعرج ومستمر. إنه ليس محطة وصول نرتاح عندها، بل هو طريقة حياة. إعادة بناء المسار تعني قبول الفشل كجزء عضوي من عملية النمو، والمرونة في تغيير الاتجاهات حين تتبدل المعطيات.
النجاح هو أن تملك الشجاعة لتمشي في طريقك الخاص ببطء، بدلاً من الركض في طريق الآخرين بسرعة.
ختاماً
من الواجب إعادة استيعاب إن إعادة بناء النجاح ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة حياتية وجودية لاستعادة التوازن الشامل (النفسي والحياتي بما في ذلك بنية العلاقات الإنسانية). إنه دعوة للانتقال من هوس "الظهور" إلى طمأنينة "الجوهر"، ومن لهاث المنافسة إلى سكون الرضا. النجاح الحقيقي هو أن تنام ليلاً وضميرك مرتاح، وقلبك ممتلئ، وعقلك يدرك أنك في المكان الذي خُلقت لتكون فيه.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
والصبر مدخل جوهري للتوازن.
والحديث ذ وشجون وله بقية.
انتهى،،،
التعليقات
1 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق