القسائم التعليمية وخصخصة التعليم العام: قراءة تحليلية في المفهوم والتطبيق
كتبه. د/ أمل محمد الخضير
في ظل التحولات المتسارعة في أنظمة التعليم، لم يعد السؤال مقتصرًا على جودة ما يُقدم داخل المدرسة، بل امتد إلى من يملك قرار اختيارها، وكيف تُدار مواردها. وفي هذا الإطار، برزت القسائم التعليمية كأحد النماذج التي تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والأسرة والمؤسسات التعليمية، عبر نقل جزء من سلطة القرار إلى المستفيد النهائي من التعليم. ويطرح هذا التوجه تساؤلات جوهرية حول كفاءته، وانعكاساته على العدالة التعليمية، وحدود دوره في تحسين مخرجات التعليم.
مفهوم القسائم التعليمية في التعليم العام
تمثل القسائم التعليمية أحد النماذج التمويلية التي تتيح للأسر تحديد نوعية التعليم ومكانه، بما يفتح المجال أمام التنافس بين المؤسسات التعليمية. ويستدعي هذا التوجه دراسة أبعاده وإمكاناته في تحسين جودة التعليم وتحقيق تكافؤ الفرص.
في أصلها اللغوي، تُعرف القسائم بأنها جمع قسيمة، وهي "وثيقة لها في التعامل أكثر من نسخة" (مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 2004م، ص.735). أما اصطلاحًا، فقد تعددت تعريفاتها؛ إذ يعرفها غبان (2001م) بأنها إيصالات مالية تمكن المستفيدين من الالتحاق بمدارس عامة أو خاصة وفق اختيارهم، مع تحمل الحكومة تكلفة التعليم بشكل مباشر أو غير مباشر (ص.163). بينما يصفها حسين وآدم (2018م) بأنها شهادات رسوم دراسية تصدرها الحكومة وتُصرف من قبل المدارس المختارة (ص.147). في حين تشير سفر (2022م) إلى كونها دعمًا ماليًا موجهًا لتشجيع مشاركة القطاع الخاص، وترشيد الإنفاق، وتوسيع نطاق التعليم الأهلي، مع توفير فرص تعليمية للفئات المستهدفة (ص.489).
ومن خلال هذه التعريفات، يتضح أن القسائم التعليمية تقوم على ركيزتين أساسيتين: تمكين ولي الأمر من الاختيار، وتحسين مستوى الخدمات التعليمية. كما تؤكد منظمة اليونسكو (2018م، ص.52) أن هذا النظام يسهم في إتاحة التعليم للفئات المهمشة، وتقليل الأعباء المالية على الدولة، ورفع معدلات الالتحاق والتحصيل والتخرج.
مفهوم خصخصة التعليم العام
تُعد خصخصة التعليم أحد الاتجاهات المرتبطة بإعادة تنظيم تقديم الخدمات التعليمية، حيث تشير لغويًا إلى نقل إدارة المؤسسات والخدمات من القطاع الحكومي إلى القطاع الخاص (معجم المعاني الجامع، د.ت). أما في الإطار الاصطلاحي، فيعرفها العيدروس (2019م) بأنها منظومة من السياسات والإجراءات التي يتم من خلالها نقل ملكية أو إدارة المشروعات العامة أو إسناد بعض الخدمات إلى القطاع الخاص وفق صيغ متعددة (ص.335). كما ترى الفايز (2011م) أنها تعني إسناد بعض الخدمات التعليمية أو المساندة للقطاع الخاص ضمن إشراف حكومي (ص.12)، بينما يعرفها كمبيجو (2019م) بأنها تحويل الخدمات العامة إلى القطاع الخاص كليًا أو جزئيًا (ص.93).
ويُفهم من ذلك أن خصخصة التعليم العام تمثل توجهًا نحو توسيع مشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات التعليمية، بما يرتبط بتحسين الكفاءة الاقتصادية وترشيد الإنفاق. كما ترتبط بأهداف أوسع تشمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتخفيف الأعباء عن الدولة، وإتاحة فرص تعليمية لفئات لم تتح لها هذه الفرص سابقًا (البقية والشريف، 2021م، ص.134).
التجربة الأمريكية في تطبيق القسائم التعليمية
تُعد الولايات المتحدة الأمريكية من أبرز النماذج التي طبقت القسائم التعليمية، حيث جاء تطبيقها في سياق نظام تعليمي يتسم بتعدد مصادر التمويل واتساع نطاق الخيارات. وتشير الأدبيات إلى أن القسائم تُستخدم كأحد أدوات الخصخصة التي تتيح للأسر اختيار المدارس المناسبة لأبنائهم (الفايز، 2011م؛ البقية والشريف، 2021م).
تُمنح القسيمة بقيمة مالية محددة لكل طالب، ويجري استخدامها في الالتحاق بالمدارس الخاصة، مع إمكانية تحمل الأسرة لفارق الرسوم عند الحاجة (البقية والشريف، 2021م، ص.144).
وقد بدأت التطبيقات الفعلية لهذا النظام عام 1972م في منطقة (Alum Rock) بولاية كاليفورنيا، حيث شملت التجربة نحو 15,000 طالب واستمرت خمسة أعوام بتمويل فدرالي. وأظهرت النتائج أن النظام لم يرتبط بسوء استخدام الموارد أو بزيادة التمييز، بل أشارت بعض المؤشرات إلى وجود تنوع أكبر ورضا لدى الأسر المشاركة (حسين وآدم، 2018م، ص.148).
كما تطورت التجربة لاحقًا عبر برامج متعددة، من أبرزها برنامج (McKay) في ولاية فلوريدا عام 1999م، الموجه للطلاب ذوي الإعاقة، إلى جانب برامج أخرى في ولايات مختلفة استهدفت فئات متنوعة من المستفيدين (Winters, 2011).
ورغم هذا التوسع، برزت عدة تحديات، خاصة فيما يتعلق بالطلاب ذوي الإعاقة، حيث أشار مجلس الآباء والمحامين الأمريكي (COPAA) إلى قضايا تتعلق بفقدان بعض الحقوق القانونية، وضعف تغطية الخدمات المساندة، وغياب المساءلة في بعض المدارس، إضافة إلى محدودية البيانات المقارنة حول نتائج الطلاب.
وتُظهر هذه التجربة أن تطبيق القسائم التعليمية يختلف باختلاف السياقات المحلية والفئات المستهدفة، وهو ما أدى إلى تباين في النتائج. كما تشير الملاحظات إلى وجود تحديات تنظيمية، وعدم وجود أدلة حاسمة تربط بشكل مباشر بين تطبيق القسائم وارتفاع مستوى التحصيل الدراسي.
انتهى،،،
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!