طلب مستشار أو مدرب تسجيل حساب شركة أو هيئة تسجيل حساب خبير جديد تسجيل حساب مستفيد جديد تسجيل الدخول
طلب استشارة جديد

قراءة في كتاب الأكاديميا المظلمة ... حين تتحول الجودة إلى بيروقراطية

قراءة في كتاب الأكاديميا المظلمة ... حين تتحول الجودة إلى بيروقراطية
كتبه. د/ علي محمد العتيبي

تبدأ الجامعات في الموت، ليس عندما تغلق أبوابها، ولا عندما تتوقف عن منح الشهادات، وإنما عندما تواصل أداء وظائفها الظاهرة، بينما تفقد تدريجيًا روحها العلمية ورسالتها الإنسانية.
هذه هي الفكرة المركزية التي يناقشها بيتر فليمنغ في كتابه «الأكاديميا المظلمة: هكذا تموت الجامعات»؛ إذ يقدم نقدًا حادًا للتحولات التي شهدها التعليم الجامعي تحت تأثير منطق السوق، وتضخم الإدارة، والهوس بالمؤشرات والتصنيفات والأرقام.
فالجامعة، في النموذج الذي ينتقده الكتاب، لم تعد مجتمعًا علميًا غايته البحث عن الحقيقة وبناء الإنسان وخدمة المجتمع، بل أصبحت في بعض صورها أقرب إلى مؤسسة تجارية:
الطالب عميل، والبرنامج منتج، والبحث العلمي رقم في تقرير، وعضو هيئة التدريس مجموعة من مؤشرات الأداء.
ولا تكمن المشكلة في وجود التقويم أو المؤشرات أو التصنيفات؛ فهي أدوات ضرورية لتطوير المؤسسات وضمان جودة مخرجاتها، وإنما تظهر المشكلة عندما تتحول هذه الأدوات من وسائل للتحسين إلى غايات مستقلة، ويصبح النجاح الحقيقي أقل أهمية من القدرة على إثبات النجاح في النماذج والتقارير.
من أكثر الأفكار التي يلفت إليها الكتاب أن الأكاديمي أصبح يقضي وقتًا متزايدًا في توثيق ما أنجزه، وإدخال البيانات، وإعداد التقارير، وحضور الاجتماعات، والإجابة عن المراسلات، حتى قد يصبح الوقت المخصص لإثبات العمل أكبر من الوقت المتاح للعمل نفسه.
وهنا تظهر مفارقة مؤسسية واضحة:
نريد أستاذًا مبدعًا، لكننا نستهلك وقته في الإجراءات.
نطالبه ببحث علمي نوعي، ثم نحاسبه بعدد الأبحاث.
نريده قريبًا من طلابه، ثم نحمّله بعشرات المهام الإدارية.
نحثه على الابتكار، ثم نقيده بقوالب لا تسمح إلا بتكرار ما سبق.
وعندما يصبح الأستاذ مجرد رقم في لوحة بيانات، والطالب مجرد نسبة نجاح أو رضا، فإن الجامعة تفقد شيئًا أساسيًا لا يمكن لأي مؤشر أن يقيسه بدقة: المعنى الأكاديمي.
هناك فرق كبير بين مؤسسة تسأل:
كيف نحسن تعلم الطلاب؟
وبين مؤسسة تسأل:
ما الوثيقة التي تثبت أننا حسّنا تعلم الطلاب؟
السؤال الثاني مهم، لكنه لا ينبغي أن يسبق السؤال الأول أو يحل محله.
تبدو بعض الجامعات ناجحة جدًا في التقارير:
خطط استراتيجية مكتملة، ومؤشرات محققة، واستطلاعات مرتفعة، وعدد متزايد من البحوث والبرامج والمبادرات.
لكن السؤال الأعمق هو:
هل انعكس ذلك على جودة التعليم؟
هل أصبح الخريج أكثر كفاءة؟
هل يتمتع عضو هيئة التدريس بالمساحة الكافية للتفكير والإبداع؟
الجامعة لا تُقاس بكثرة ما تنتجه من أوراق، بل بعمق ما تنتجه من معرفة وأثر.
نحتاج في مؤسساتنا التعليمية إلى نموذج جودة أكثر ذكاءً وأقل استنزافًا؛ نموذج يربط كل مؤشر بقرار، وكل تقرير بتحسين، وكل استطلاع بإجراء قابل للمتابعة.
كما نحتاج إلى تقليل ازدواجية النماذج والتقارير، وتكامل الأنظمة الإلكترونية، ومنح الأقسام العلمية مساحة أكبر للمبادرة، والاستماع الحقيقي لصوت عضو هيئة التدريس والطالب، وعدم التعامل مع جميع التخصصات بالمعايير الكمية نفسها.
فجودة التعليم لا تتحقق بكثرة اللجان، ولا بعدد الاجتماعات، ولا بضخامة الأدلة والشواهد، بل بقدرة المؤسسة على تحويل المعلومات إلى قرارات، والقرارات إلى ممارسات، والممارسات إلى تعلم وأثر مستدام.
أخيرًا
الجامعة لا تموت حين تفشل في تعبئة نموذج، وإنما تموت حين يصبح النموذج أهم من الإنسان، والرقم أهم من المعرفة، والصورة المؤسسية أهم من الحقيقة.

 

شارك المقالة:

هل تحتاج إلى استشارة متخصصة؟

احصل على استشارة احترافية من خبرائنا المعتمدين

التعليقات

0 تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذه المقالة!