نحو تجديد مهني يراعي الخبرة والكفاءة
كتبه. المستشار/ تركي المالكي
تحرص المملكة العربية السعودية على تطوير المنظومة التعليمية والارتقاء بمخرجاتها، وتُعد الرخصة المهنية أحد الأدوات المهمة لضمان جودة الأداء ورفع كفاءة العاملين في القطاع التعليمي. إلا أن بعض الإجراءات المرتبطة بتجديد الرخصة المهنية تستحق إعادة النظر بما يحقق التوازن بين المحافظة على معايير الجودة والاستفادة من الخبرات الوطنية المتراكمة.
فبموجب الأنظمة الحالية، يُطلب من الممارس التعليمي تجديد الرخصة المهنية وإعادة الاختبار كل خمس سنوات. ورغم أهمية التقييم والتطوير المستمر، إلا أن هذا الإجراء يؤدي عملياً إلى مساواة صاحب الخبرة الطويلة بمن يمتلك خبرة محدودة، دون اعتبار كافٍ للسنوات التي قضاها في الميدان التعليمي وما اكتسبه خلالها من مهارات وخبرات وإنجازات.
فمن غير المنطقي أن يتساوى مدير مدرسة أو معلم أمضى أكثر من خمسة عشر عاماً في الإدارة المدرسية والتعليم، وأثبت كفاءته من خلال عمله وإنجازاته وتقويم أدائه المستمر، مع شخص حديث العهد بالمجال أو يمتلك خبرة محدودة لا تتجاوز عدة سنوات. كما أن من المفارقات أن يصبح من عمل لفترة قصيرة في مجال (مقاولات/مبيعات/...) خارج التعليم مؤهلاً لشغل مناصب قيادية تعليمية او تدريس، في حين قد يجد صاحب الخبرة التعليمية الطويلة نفسه مهدداً بفقدان فرصه الوظيفية بسبب انتهاء صلاحية الرخصة أوعدم اجتياز اختبار دوري، رغم استمراره الفعلي في ممارسة المهنة ونجاحه فيها.
إن الخبرة المهنية ليست مجرد عدد سنوات، بل هي تراكم معرفي ومهاري وقيادي يُبنى عبر الممارسة اليومية والتعامل مع التحديات التربوية والإدارية المختلفة. ومن هنا فإن العدالة تقتضي أن تكون الخبرة المستمرة عاملاً أساسياً في أنظمة التجديد والترخيص المهني.
ومن الحلول المقترحة أن يتم الاكتفاء بتجديد الرخصة المهنية لمن سبق له الحصول عليها واستمر في ممارسة مهنة التعليم أو الإدارة المدرسية دون انقطاع، وذلك من خلال سداد رسوم التجديد واستكمال متطلبات التطوير المهني المعتمدة، دون الحاجة إلى إعادة الاختبار في كل دورة تجديد. أما من انقطع عن العمل في المجال التعليمي لفترات طويلة، فيمكن إخضاعه لاختبارات أو متطلبات إضافية تضمن تحديث معارفه ومهاراته.
تشير التجارب التعليمية الرائدة في فنلندا وسنغافورة وألمانيا وكندا إلى أن جودة التعليم لا تعتمد فقط على الاختبارات المهنية، بل على حسن اختيار المعلم وتأهيله ، ثم الاستثمار في خبراته المتراكمة خلال سنوات العمل. وفي هذه الأنظمة يُنظر إلى المعلم أو القائد التربوي صاحب الخبرة الطويلة بوصفه ثروة مهنية ومعرفية تتعاظم قيمتها بمرور الزمن، ويُستفاد من خبراته في التطوير والإشراف والقيادة، مع استمرار التطوير المهني دون أن تصبح الاختبارات العامة المتكررة العامل الحاسم في استمراره المهني.
ومن جانب آخر، فإن قطاع التعليم الخاص ليس مجرد قطاع مستفيد من الأنظمة التعليمية، بل هو شريك رئيس في بناء المنظومة التعليمية الوطنية. فالمدارس الأهلية والعالمية أسهمت على مدى سنوات طويلة في إعداد وتأهيل وتدريب آلاف المعلمين والقادة التربويين والإداريين، وتحمّلت تكاليف تطويرهم وصقل مهاراتهم المهنية حتى أصبحوا كوادر مؤهلة وقادرة على قيادة العمل التعليمي بكفاءة عالية.
ويؤدي القطاع الخاص دوراً محورياً في تهيئة الكفاءات الوطنية وتجهيزها لسوق العمل التعليمي، مما يخفف الأعباء والتكاليف المرتبطة بالتأهيل والتدريب الأساسي، ويجعل هذه الكوادر جاهزة للعطاء والإنتاج منذ اليوم الأول. ولذلك فإن دعم العاملين في هذا القطاع والاعتراف بخبراتهم المتراكمة يُعد دعماً مباشراً للنهضة التعليمية وللشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص.
إن الهدف من هذه المطالبة ليس الإعفاء من التطوير المهني أو التقويم المستمر، وإنما تحقيق التوازن بين المحافظة على معايير الجودة والاعتراف بقيمة الخبرة العملية المتراكمة. فالمعلم أو القائد التربوي الذي أثبت كفاءته واستمر في أداء عمله بنجاح لسنوات طويلة يستحق أن تُقدّر خبرته وأن تُبنى الأنظمة بما يحفظ هذه الخبرات الوطنية ويشجعها على الاستمرار في خدمة التعليم.
فالاستثمار الحقيقي في التعليم لا يكون فقط في وضع الأنظمة والاختبارات، بل أيضاً في المحافظة على الكفاءات والخبرات التي صنعت نجاح الميدان التربوي وأسهمت في بناء أجيال الوطن.
والله ولي التوفيق.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!