لغة الباحث بين الجزم والترجيح
كتبه. د/ صالح العنزي
من القضايا المنهجية التي تستحق مزيدًا من العناية لدى الباحثين القدرة على التمييز بين الرأي البحثي والحقيقة العلمية، ويظهر هذا الخلط غالبًا عندما يطلب المشرف من الباحث أن يُبرز شخصيته العلمية، أو أن يعلّق على الدراسات السابقة، أو أن يناقش النتائج، فيظن الباحث أن المطلوب هو إطلاق أحكام قطعية، بينما المقصود هو تقديم قراءة علمية منضبطة وتحليل يستند إلى الأدلة، دون أن يتحول إلى حقائق يجزم بها.
ويُعد إظهار الرأي البحثي أحد مؤشرات نضج الباحث؛ فهو لا يقتصر على عرض ما توصل إليه الآخرون، بل يتجاوزه إلى التحليل، والربط، والمناقشة، والترجيح. غير أن هذا الرأي يظل خاضعًا لضوابط منهجية تحكم طريقة عرضه وصياغته، فلا يتجاوز حدود ما تسمح به الأدلة.
وتبرز المشكلة عندما تتحول لغة الباحث من لغة تحليل إلى لغة تقرير، ومن لغة ترجيح إلى لغة جزم. ففي هذه اللحظة لا يعود القارئ يميز بين ما أثبتته الأدلة، وما يمثّل اجتهادًا أو تفسيرًا من الباحث نفسه، فتختلط الحقيقة العلمية بالرأي البحثي.
ولعل من أهم المؤشرات التي تساعد الباحث على التمييز بينهما ما يأتي:
- الحقيقة العلمية تُبنى على أدلة كافية تبرر الجزم بها، أما الرأي البحثي فهو تفسير أو قراءة أو ترجيح يستند إلى تلك الأدلة.
- الحقيقة تُنسب إلى ما أثبتته النتائج والدراسات، بينما الرأي يُنسب إلى الباحث بوصفه اجتهادًا علميًا.
- الحقيقة يمكن التحقق منها وإعادة اختبارها، أما الرأي فيمثل فهمًا أو تفسيرًا للنتائج، وقد يختلف فيه الباحثون.
- الرأي البحثي لا يناقض الأدلة، بل ينطلق منها، ويظل قابلًا للمراجعة إذا ظهرت معطيات جديدة.
- قوة الرأي لا تُقاس بقوة الألفاظ، وإنما بقوة مبرراته، ومنطقه، واستناده إلى الأدلة.
ومن الأخطاء التي تتكرر في بعض الرسائل العلمية أن يكتب الباحث: "هذا الأسلوب هو الأفضل"، أو "هذه السياسة ستؤدي حتمًا إلى تحسين الأداء"، أو "هذا المتغير هو السبب الرئيس للمشكلة"، في حين أن نتائج الدراسة قد لا تسمح بهذا القدر من الجزم.
وكان الأولى أن تُصاغ الفكرة بلغة أكثر دقة، مثل: "تشير النتائج إلى..."، أو "يمكن تفسير هذه النتيجة بأن..."، أو "يرجح الباحث..."، أو "قد يعود ذلك إلى..."، أو "في حدود نتائج هذه الدراسة...". فهذه الصياغات لا تُضعف شخصية الباحث، بل تعكس وعيه بحدود المعرفة العلمية، وإدراكه للفارق بين ما أثبته الدليل، وما استنتجه هو من هذا الدليل.
ولعل من أجمل ما يميز الباحث الناضج أنه يدرك أن قوة البحث لا تكمن في كثرة العبارات الجازمة، بل في دقة اللغة التي يستخدمها. فالجزم له موضعه عندما تكون الأدلة كافية، كما أن الترجيح له موضعه عندما تظل النتائج تحتمل أكثر من تفسير. ولكل مقام لغته، ولكل استنتاج درجته من اليقين.
إن اللغة ليست مجرد وسيلة لعرض نتائج البحث، بل هي جزء من الأمانة العلمية نفسها. فكلمة واحدة قد تنقل الفكرة من دائرة الاحتمال إلى دائرة الحقيقة، أو العكس. ولذلك فإن إتقان لغة الباحث لا يقل أهمية عن إتقان أدوات البحث ومنهجيته.
وفي النهاية، فإن الشخصية البحثية لا تُبنى بكثرة الأحكام، وإنما بحسن تقدير مواضعها. فالباحث المتمكن لا يسعى إلى أن يبدو أكثر يقينًا مما تسمح به الأدلة، بل يحرص على أن يكون يقينه بقدر برهانه، ولغته بقدر ما تثبته نتائجه.
التعليقات
2 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق