لماذا تغادر الكفاءات… ويبقى الأقل كفاءة؟
كتبه. د. داليا نبيل المنهراوي
مقدمة
ليس كل من يغادر المؤسسة كان يبحث عن راتب أعلى، ولا كل من بقي كان الأكثر كفاءة.
في كثير من الأحيان، يكون رحيل الكفاءات رسالة صامتة عن خلل أعمق من أن يُختزل في استقالة موظف أو انتهاء عقد عمل. فحين يتكرر خروج أصحاب الخبرة والإنجاز، بينما يستمر الأقل تأثيرًا في مواقعهم، يصبح السؤال أكثر أهمية من الإجابة:
لماذا تغادر الكفاءات… ويبقى الأقل كفاءة؟
الكفاءة لا تغادر بسبب العمل… بل بسبب البيئة
الكفاءات بطبيعتها لا تخشى العمل، بل تبحث عنه. تستمتع بالتحديات، وتستثمر في تطوير نفسها، وتؤمن بأن الإنجاز هو الطريق الطبيعي للتقدم.
لكن المشكلة تبدأ عندما تكتشف أن بيئة العمل تكافئ الهدوء أكثر من المبادرة، وتفضل الانسجام الشكلي على التفكير المختلف، وتعتبر الأسئلة الجادة مصدر إزعاج بدلاً من كونها فرصة للتطوير.
حينها لا تصبح المشكلة في حجم العمل، بل في البيئة التي لا تسمح للكفاءة بأن تؤدي دورها الحقيقي.
لماذا يبقى الأقل كفاءة؟
قد يبدو السؤال قاسيًا، لكنه يستحق التأمل.
فالأقل كفاءة غالبًا لا يهدد التوازن التقليدي داخل المؤسسة، ولا يطالب بتغيير الإجراءات، ولا يكشف مواطن القصور، ولا يرفع سقف التوقعات.
وجوده يمنح بعض الإدارات شعورًا بالاستقرار، حتى وإن كان هذا الاستقرار على حساب التطوير.
أما الكفاءة الحقيقية، فهي تطرح أسئلة، وتقترح حلولًا، وتدفع المؤسسة إلى الأمام، وهو ما قد لا يرحب به الجميع.
الخسارة لا تظهر فورًا
رحيل الكفاءات لا يؤدي إلى انهيار المؤسسة في اليوم التالي.
لكن أثره يتسلل تدريجيًا.
تتباطأ وتيرة التطوير، وتضعف جودة القرارات، ويتراجع الابتكار، وتصبح الإنجازات مجرد تكرار لما اعتادت المؤسسة القيام به.
وفي المقابل، يصبح البحث عن كفاءات جديدة أكثر صعوبة، لأن السمعة المهنية تنتقل أسرع مما نتوقع.
المؤسسة الناجحة لا تخشى الكفاءة
المؤسسات التي تؤمن برسالتها لا ترى في الكفاءة تهديدًا، بل استثمارًا.
تمنح أصحاب الخبرة مساحة للتأثير، وتستمع للرأي المختلف، وتربط التقدير بالإنجاز لا بالمجاملة، وتدرك أن النقد المهني أحد أدوات التحسين وليس إعلانًا للخصومة.
فالنجاح المؤسسي لا يتحقق عندما يبقى الجميع، بل عندما يبقى الأشخاص القادرون على صناعة الفرق.
خاتمة
قد تغادر الكفاءات بصمت، لكن آثار غيابها لا تبقى صامتة.
فالمؤسسات لا تُقاس بعدد من يعملون فيها، بل بنوعية من يختارون البقاء فيها.
وعندما يصبح خروج الكفاءات ظاهرة متكررة، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: لماذا غادروا؟ بل: ماذا يحدث داخل المؤسسة حتى أصبح البقاء فيها أقل جاذبية من الرحيل؟
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!