الإبداع الحركي بين الميكانيكا والرؤية الإجرائية للذاكرة الأوتوماتيكية
كتبه. أ. د/ عبد العزيز بن عبد الكريم المصطفى
يُقدَّم الإبداع الحركي الرياضي في عدد من الأدبيات ضمن إطار ميكانيكي يربطه بفاعلية القوة والزوايا والسرعة، إلا أن بحوث علوم الحركة تشير إلى أن الإبداع المهاري يمكن فهمه من منظور آخر يرتبط بآليات التنظيم الحركي والذاكرة الإجرائية، وقدرة اللاعب على توليد استجابات حركية ملائمة للموقف. وتُظهر الأدلة أن العمليات الإجرائية للذاكرة الأوتوماتيكية تسهم في تنظيم السلوك الحركي، وتعزيز القدرة على التكيف، وتوليد حلول مبتكرة داخل المواقف المتغيرة. ويؤكد ماجيل (2010) أن التدريب المستمر هو الشرط الأساسي لنمو الدقة والإتقان والإبداع، بينما يوضح مالينا وبوشار وبار-أور (2010) أن التطور المهاري هو نتاج تفاعل بين النمو، والتدريب، والعمليات المعرفية المنظمة للحركة، مما يستدعي تبني رؤية تكاملية تتجاوز التفسير الميكانيكي التقليدي.
ونظرًا لأهمية التدريب في عمليات التعلم الحركي، اتجهت البحوث إلى دراسة طرائق الممارسة لتحديد الأساليب الأكثر فاعلية في تطوير الأداء. وتشير النتائج إلى أن التدريب المنظم يُعد الأكثر كفاءة في تحسين الدقة والسرعة بفضل تدرجه المنهجي وضبط متغيراته، بينما يُظهر التدريب العشوائي تفوقًا في مجالات التذكر والتعميم، أي في انتقال أثر التعلم إلى مهارات جديدة، مما يجعله ذا قيمة في تعزيز المرونة الحركية وتوسيع نطاق الاستجابات (Battig, 1966; Schmidt, 1991).
المهارة الحركية تتكون من جانب معرفي–إدراكي يرتبط بالحواس ارتباطًا مباشرًا، إذ يعتمد اللاعب على المعلومات التي يكتسبها من الممارسة، والخبرات السابقة لفهم متطلبات الأداء والتوافق مع مواقف اللعب المختلفة. فمن خلال الجانب الإدراكي يستطيع اللاعب تحديد المكان الأنسب لاستقبال الكرة، واختيار طريقة التصويب أو التمرير المناسبة وفقًا لطبيعة الموقف (Magill, 2010; Payne, 2010).. ويُضاف إلى ذلك المكوّن الحسي–الحركي الذي يشمل الإحساس العضلي وتنسيق عمل أعضاء الجسم بصورة متناسقة، حيث تنتقل الإحساسات من المستقبلات الحسية إلى الدماغ ليتم تنظيمها وإدراكها، ثم تُحوَّل إلى استجابات حركية منسقة عبر الجهاز العصبي. هذا التكامل بين الإحساس والإدراك يتيح للاعب تنفيذ المهارة بانسيابية ودقة عالية (Schmidt & Lee, 2011) .
وتزداد صعوبة المهارة تبعًا لعوامل متعددة، منها طبيعة الهدف النهائي للأداء، ومستوى الدقة المطلوبة، وطبيعة المهارة من حيث بدايتها ونهايتها، وثبات الهدف أو تغيره. وكلما ازدادت هذه المتطلبات تعقيدًا، ازدادت الحاجة إلى تدريب موجّه ومنظم يتيح للاعب تطوير مكوّناته المعرفية والحسية–الحركية بصورة متكاملة، بما يضمن تحقيق أداء فعّال ومستقر. يرى شيمدت أن التحكم الحركي للأداء المطلوب لا يقوم على الاستجابات العضلية المباشرة فحسب، بل يعتمد على بناء مخططات معرفية–حركية (Schemas) تُخزّن في الذاكرة طويلة المدى، وتعمل كمرجع ينظم اختيار الحركة وتنفيذها وتقييمها. وتشكل هذه المخططات جوهر عملية التحكم الحركي، إذ تتيح للاعب تطوير أداء متسق وقابل للتكيف مع متغيرات الموقف.
ويُعد المخطط العام للحركة (Generalized Motor Program – GMP) الأساس البنائي للحركة، فهو يمثل “النموذج” الذي يحدد التسلسل الحركي، والعضلات المشاركة، والإيقاع العام للأداء. فعلى سبيل المثال، تمتلك الركلة الحرة في كرة القدم برنامجًا حركيًا عامًا ثابتًا، يحدد شكل الحركة الأساسي بغض النظر عن اختلاف الظروف المحيطة.
أما مخطط الاستجابة (Recall Schema) فيمثل الجانب التنفيذي من التحكم الحركي، إذ يحدد آلية أداء المهارة في لحظة التنفيذ، مثل قوة الركلة، وزاوية القدم، وسرعة الساق، وتوقيت الضربة. ومن خلال هذا المخطط، يستطيع اللاعب ضبط المتغيرات الدقيقة داخل إطار البرنامج الحركي العام، بما يضمن توافق الأداء مع متطلبات الموقف.
ويأتي بعد ذلك مخطط التعرف (Recognition Schema) الذي يعتمد على التغذية الراجعة لتقييم جودة الأداء. فمن خلاله يحدد اللاعب مدى دقة الركلة، وملاءمة القوة، ومستوى التوازن، ثم يستخدم هذه المعلومات لتصحيح الأخطاء وتحسين الأداء في المحاولات اللاحقة. ويُعد هذا المخطط عنصرًا أساسيًا في عملية التعلم والممارسة، لأنه يربط بين التنفيذ والتقويم ويعزز التطور المستمر للمهارة.
وفي ضوء ما تقدّم حول مخططات شيمدت الحركية، تبرز الحاجة إلى توضيح كيفية ارتباط هذه البنى التنظيمية بالمهارات الدقيقة في الألعاب الرياضية، مثل مهارة تصويب الركلة الحرة المباشرة. ومن هنا يظهر تساؤل بحثي جوهري يتعلق بطبيعة تنفيذ المهارة: هل يعتمد الأداء الفعلي للركلة الحرة على المبادئ الميكانيكية الحيوية، أم أنه يُنفَّذ أساسًا عبر الذاكرة الإجرائية التي تُخزّن البرامج الحركية في الجهاز العصبي؟
تشير النتائج العلمية إلى أن نموذج الأداء الحركي لا يعتمد على عامل منفرد، بل هو نتاج تكامل معرفي–حركي يجمع بين المعالجة البيوميكانيكية للحركة، وبين الذاكرة الإجرائية التي تُخزّن البرامج الحركية في الجهاز العصبي. فالذاكرة الإجرائية، والأوتوماتيكية تتولى تنفيذ المهارة فعليًا أثناء الأداء، بينما يوفر علم الميكانيكا الحيوية الإطار العلمي لتحليل المتغيرات الدقيقة للحركة مثل القوة، وزوايا المفاصل، ومسار الجسم
(Schmidt & Lee, 2011: Bartlett, 2007; Knudson & Morrison, 2002).
أن الإبداع المهاري يظهر عندما تتفاعل هذه البرامج الحركية المخزنة، مع التغذية الراجعة الحسية والميكانيكية، مما يسمح بتعديل الأداء الحركي لحظيًا دون تعطيل الإيقاع أو فقدان الدقة. ومن ثمّ، فإن الإبداع المهاري لدى الرياضيين هو حصيلة منظومة تكاملية تجمع بين الضبط البيوميكانيكي للحركة وبين الذاكرة الأوتوماتيكية التي تظهر الأداء تلقائيًا ومرنًا وقادرًا على التكيف مع متغيرات الموقف. (Schmidt & Wrisberg, 2008; Davids et al., 2008; Newell, 1991)
فالتحليل البيوميكانيكي لا ينفّذ الحركة، لكنه يقدّم الأسس العلمية التي توضّح كيفية تحقيق الأداء الأمثل، مثل زاوية القدم، ووضع الجسم، وميل الجذع، ومركز الثقل، وقوة الدفع، ومسار الكرة، والعلاقة بين القوة والزمن. وتُعد هذه المتغيرات عناصر أساسية في فهم ميكانيكية الحركة، إذ تمكّن المدرب واللاعب من تصحيح الأخطاء وتفسير أسباب نجاح الأداء أو إخفاقه، مما يجعل الميكانيكا الحيوية علمًا يشرح المهارة ويضبطها، لا علمًا ينفّذه Knudson & Morrison, 2002; Barlett, 2007)).
وفي المقابل، تعتمد عملية التنفيذ الفعلي للمهارة على الذاكرة الإجرائية، التي تخزن تسلسل الحركة وتنسّق عمل العضلات وتتيح الأداء التلقائي دون جهد معرفي واضح. فمع تكرار التدريب، تتكوّن برامج حركية مستقرة تسمح للاعب بتنفيذ المهارة بدقة وثبات، وهو ما يؤكد أن الذاكرة الإجرائية هي المنظومة المسؤولة عن التنفيذ العملي للحركة في الموقف الرياضي (Schmidt & Wrisberg, 2008).
تُعد الذاكرة الإجرائية الأساس في تنفيذ المهارات داخل الملعب، فهي تخزّن تسلسل الأداء وتنسّق عمل العضلات بما يسمح بتنفيذ الحركة تلقائيًا دون تفكير واعٍ. وتشير الأدلة إلى أن المهارات الحركية تعتمد على برامج حركية مستقرة تُبنى عبر التكرار المكثف، مما يجعل الأداء آليًا ودقيقًا تحت الضغط (Schmidt & Wrisberg, 2008). ولهذا، فعندما يقف اللاعب أمام الكرة في موقف تنافسي، فإنه لا يستدعي القوانين الفيزيائية ولا يفكّر في زاوية الركبة أو ميل الجذع، بل يعتمد على مخططات حركية تشكّلت عبر آلاف المحاولات.
ويمتد هذا الدور إلى الذاكرة الأوتوماتيكية التي تضمن ثبات الأداء واستقراره في ظروف اللعب المتغيرة، وهو ما يظهر لدى اللاعبين المحترفين؛ فمهارة التسديد لدى لاعب مثل كريستيانو رونالدو أو ليونيل ميسي ليست نتاج معالجة معرفية لحظية، بل نتيجة تراكم طويل من التدريب المنظم الذي بنى برامج حركية قوية، بينما تُستخدم الميكانيكا الحيوية لتحسين التفاصيل الدقيقة في الأداء وتطويره باستمرار.
وبذلك يتضح أن بناء المهارة الحركية الدقيقة يعتمد على منظومة تكاملية تجمع بين التعلم الحركي، والتحكم في الحركة، والتحليل البيوميكانيكي، والتكرار المنظم. فالتعلم الحركي لا يقوم على التكرار وحده، بل على تطوير المكوّنات المعرفية والحسية–الحركية من خلال تنويع المواقف التدريبية، وتوفير تغذية راجعة فورية، وتعزيز القدرة على التكيف مع المتغيرات البيئية. ويشير كل من ) (Newell, 1991و (Davids, Button, & Bennett 2008) إلى أن هذا التكامل بين البرامج الحركية المخزنة في الذاكرة الإجرائية والمعرفة البيوميكانيكية هو ما يسمح بتكوين مهارة مستقرة وقابلة للتطوير، خصوصًا في المهارات المفتوحة التي تتطلب استجابة سريعة وتعديلًا مستمرًا للحركة وفق ظروف اللعب .
كما تُظهر البحوث أن فعالية التعلم ترتبط بقدرة اللاعب على دمج المعلومات الحسية–الحركية مع التحليل البيوميكانيكي، بحيث تُفعَّل البرامج الحركية تلقائيًا أثناء الأداء، بينما تُستخدم التغذية الراجعة لتصحيح الأخطاء وتحسين جودة الحركة في كل محاولة (Schmidt & Wrisberg, 2008; Wulf & Shea, 2022) . ومن خلال هذا الدمج بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، يصبح اللاعب قادرًا على الحفاظ على ثبات الأداء تحت الضغط، وتطوير تفاصيل الحركة الدقيقة، والوصول إلى مستويات عالية من الاتساق والكفاء والسرعة.
وخلاصة القول، يعتمد الأداء الرياضي الدقيق على تكامل معرفي–ميكانيكي يجمع بين الذاكرة الإجرائية التي تضبط تنفيذ الحركة، والذاكرة الاستراتيجية التي توجه القرار، والمبادئ الميكانيكية التي تفسّر مسار الحركة وقواها. هذا التكامل هو ما يجعل مهارات مثل الركلات الحرة والتصويب قابلة للتطوير علميًا عبر تدريب موجّه يدمج بين التحليل الحركي والميكانيكي وصنع القرار، مما يرفع من دقة الأداء وثباته في المواقف المتغيرة.
وخلاصة القول، يرى شمِدت (Schmidt, 1991) أن الذاكرة الإجرائية تتكوّن من خلال تكرار الأداء الحركي حتى تُخزَّن في صورة مخطط حركي يُستدعى تلقائيًا عند تنفيذ المهارة. هذا المخطط يحدّد تسلسل الحركة وتوقيتاتها ويُعيد إنتاجها دون جهد معرفي واعٍ. وفي المقابل، يوضّح مَكغينيس (McGinnis, 2013) كيف يُترجم هذا المخطط العصبي إلى ميكانيكية تصويب دقيقة عبر ضبط زوايا القدم، واتجاه القوة، ونقطة التماس بين القدم والكرة، بما يضمن مسارًا ثابتًا للكرة.
وعند دمج النموذجين، يتبيّن أن دقة التصويب هو نتاج تفاعل بين الذاكرة الإجرائية التي تحفظ النمط الحركي، والميكانيكا الحيوية التي تنفّذ هذا النمط عبر الجهاز العصبي‑العضلي. ومع تكرار التدريب، يعيد الجسم إنتاج الزوايا والقوة نفسها تلقائيًا، مما يؤدي إلى ثبات مسار الكرة وتحقيق دقة عالية في التصويب.
الكلمات الدالة: الابداع الحركي الذاكرة الأتوماتيكية الذاكرة الأتوماتيكية الميكانيكا
المراجع
المصطفى، عبد العزيز (2013). النمو والتطور النفس الحركي للأطفال. جامعة الدمام. (بدعم من جامعة الدمام)
المصطفى، عبد العزيز (2011). الخبرة والتدريب وعلاقتهما بالإبداع الحركي خلال مرحلتي الممارسة والتعميم. المجلة الاردنية بالجامعة الاردنية مؤتمر الابداع الحركي 5-6- 7، الأردن. عدد خاص.
المصطفى، عبد العزيز (2001). الذاكرة وآلية معالجة المعلومات وعلاقتها بتعلم الأطفال المهارات الحركية. اتحاد التربية البدنية، الرياض.
المصطفى، عبد العزيز (1996). أثر الخبرة في تعلم المهارات الحركية في ضوء تأثير تداخل المحتويات. حولية كلية التربية, ع 13، كلية التربية، جامعة قطر ص 489-509.
المصطفى، عبد العزيز (1995). علم النفس الحركي. دار الإبداع الثقافي. الرياض.
Bartlett, R. (2007). Introduction to sports biomechanics: Analysing human movement patterns. Routledge.
Battig, W. F. (1966). Facilitation and interference. Psychological Review, 73(2), 91–108.
Davids, K., Button, C., & Bennett, S. (2008). Dynamics of skill acquisition: A constraints-led approach. Human Kinetics.
Knudson, D., & Morrison, C. (2002). Qualitative analysis of human movement (2nd ed.). Human Kinetics.
Magill, R. (2010). Motor learning and control: Concepts and applications (9th ed.). McGraw-Hill.
Malina, R. M., Bouchard, C., & Bar-Or, O. (2010). Growth, maturation, and physical activity (2nd ed.). Human Kinetics.
McGinnis, P. M. (2013). Biomechanics of sport and exercise (3rd ed.). Human Kinetics.
Newell, K. M. (1991). Motor skill acquisition. Annual Review of Psychology, 42, 213–237.
Schmidt, R. (1991). Motor learning and performance: From principles to practice. Human Kinetics.
Schmidt, R. & Lee, T. (2011). Motor control and learning: A behavioral emphasis (5th ed.). Human Kinetics.
Schmidt, R. A., & Wrisberg, C. (2008). Motor learning and performance: A situation-based learning approach (4th ed.). Human Kinetics.
Shea, J, & Zimny, S. (1983). Context effects in memory and learning movement information. In R. Magill (Ed.), Memory and control of action (pp. 345–366). North-Holland.
Wulf, G., & Shea, C. (2002). Principles derived from the study of simple skills. In J. A. S. Kelso & T. Buncha (Eds.), Coordination dynamics (pp. 85–108). Springer.
التعليقات
1 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق