طلب مستشار أو مدرب تسجيل حساب شركة أو هيئة تسجيل حساب خبير جديد تسجيل حساب مستفيد جديد تسجيل الدخول
طلب استشارة جديد

قابيل. لماذا قتلتَ أخاك؟ عدوى العنف الصامت: تشريح نفسي واجتماعي

قابيل. لماذا قتلتَ أخاك؟ عدوى العنف الصامت: تشريح نفسي واجتماعي

كتبه. أ. د/ أحمد علي المعمري

ورد في (القرآن الكريم، سورة المائدة: 27-31) كما ورد في كتب سماوية أخرى؛ أن قابيل قتل أخاه هابيل في أول جريمة دم على الأرض وأستمر العدوان وسيظل حتى قيام الساعة، تلك   الجريمة كان دافعها الحسد والرفض بعد أن تُقُبِّل قربان هابيل ولم يُتقبَّل قربانه. هذه القصة ليست مجرد سردية تاريخية، بل استعارة رمزية تكشف عن الجذور النفسية العميقة للعنف الإنساني: الشعور بالظلم، الغيرة، وعجز الإنسان عن قبول تفوق الآخر حتى وان كان شقيقه!

منذ تلك اللحظة، لم يتوقف تاريخ البشرية عن إعادة إنتاج العنف بأشكال مختلفة. لكن علم الاجتماع وعلم النفس المعاصر يطرحا سؤالا أعمق: كيف ينتقل العنف من فرد إلى آخر وكيف أنتقل عبر الأف السنين ومن لحظة انبلاج وميلاد البشر،   

ولماذا يتكرر عبر الأجيال؟

هنا يبرز مفهوم "عدوى العنف" (Contagion of Violence)، وهو إطار علمي يُشبّه انتشار العنف بانتشار الأوبئة، حيث يُعدي السلوك العدواني الأفراد والمجتمعات كما تنتقل الجراثيم بين الأجسام (Huesmann, 2012؛ Fagan et al., 2007).

العنف ليس فقط الفعل الصاخب الذي يُرى في ساحات الحروب والمعارك والنزاعات أو شوارع المدن، بل هو أيضًا عدوى صامتة تتسرب إلى النفوس والعلاقات، وتعيد إنتاج نفسها في صور خفيةالإقصاء، التجاهل المتعمد، الصمت العقابي، التهميش، واللامبالاة. وهذا ما يُعرف في الأدبيات النفسية بـالعنف الصامت) Silent Violence e) أو (الإساءة الصامتة (Silent Abuse)، وهو شكل من العنف النفسي لا يترك آثارًا جسدية مرئية، لكنه يُحدِث جروحًا وندوبا  عميقة في الهوية والكرامة الإنسانية (Richardson & Hammock, 2011؛ بوربيع، 2021.

هذه السطور تسعى محاولة القيام بتشريح نفسي واجتماعي لظاهرة عدوى العنف بوجهيها: الصامت والصاخب، مع تقديم مقاربة علمية وأخلاقية للوقاية والعلاج.

البعد النفسي: كيف يتغذى العنف الصامت من داخلنا؟

العنف الصامت لا يُولد من فراغ، بل يتغذى من مشاعر مكبوتة تتراكم في اللاوعيالغضب غير المُعبَّر عنه، الإحباط المزمن، الخوف من المواجهة، والشعور بالعجز. وفقًا لـنظرية الإحباط - العدوان (Frustration-Aggression   Hypothesis) التي وضعها دولارد وزملاؤه (Dollard et al., 1939)، فإن الإحباط المتراكم يولد طاقة عدوانية تبحث عن مخرج. حين يُقمع التعبير المباشر عن الغضب (بسبب خوف أو معايير اجتماعية)، تتحول هذه الطاقة إلى عدوان سلبي (Passive Aggression): نظرات قاسية، صمت مُعاقِب، انسحاب عاطفي، أو عزلة مقصودة.

الدراسات النفسية تُظهر أن الصمت العقابي (Silent Treatment) يُسبب ضررًا نفسيًا يُعادل الإساءة اللفظية، إذ يُشعر الضحية بـالرفض الوجودي والتجمد الانفعالي، ويهدد الحاجات النفسية الأساسية: الانتماء، التقدير، والهوية Williams, 2001؛ Sommer et al.,   2001بمرور الوقت، يتحول العنف الصامت إلى لغة غير منطوقة لكنها مُدمِّرة للوعي والهوية، حيث تُصبح السلوكيات العدوانية الخفية جزءًا من نمط التواصل اليومي.

علاوة على ذلك، تُشير نظرية التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory) لألبرت باندورا (Bandura, 1977) إلى أن الأطفال يتعلمون العنف بالملاحظة والتقليد. فإذا نشأ الطفل في بيئة يسودها العنف الصامت (تجاهل الوالدين لبعضهما، صمت عدواني، إقصاء عاطفي)، فإنه يستوعب هذه الأنماط كآليات "طبيعية" للتعامل مع النزاعات، ويعيد إنتاجها في علاقاته المستقبلية، مُشكّلًا حلقة عدوى عابرة للأجيال. (لباندورا تجربة علمية تجريبية رائدة في قضية دراسة العدوان والعنف، تستحق التوقف عندها طويلا، لعلنا نقوم بعرض قراءة لأفكار باندورا في عديد قضايا في قادم الأيام)

البعد الاجتماعي: المجتمع كحاضنة للعنف أو للرحمة

المجتمعات التي تتسامح مع الإقصاء أو تُبرر التمييز (بسبب العرق، الجنس، الدين، أو الطبقة) تزرع بذور العنف الصامت. حين يُحرم الفرد من الاعتراف أو المشاركة العادلة، يتولد شعور بـالهامشية والاستلاب الذاتي (Alienation)، والذي قد يترجم إلى:

  • عدوان داخلي: اكتئاب، تدمير الذات، أو إدمان.
  • عدوان خارجي: عنف موجه ضد الآخرين أو المجتمع.
  • يُفسّر مفهوم العدوى الاجتماعية (Social Contagion) كيف ينتقل السلوك العنيف عبر الشبكات الاجتماعية. فقد أظهرت أبحاث فاجان وزملائه (Fagan et al., 2007) أن العنف يتكتل في مناطق جغرافية معينة وينتشر عبر الشبكات الاجتماعية مثل العدوى الوبائية. الأفراد الذين يشهدون عنفًا أو يُعايشونه (حتى بشكل غير مباشر) يزداد احتمال ارتكابهم سلوكيات عنيفة بمعدل 60الى 70 (Huesmann, 2012) %.  
  • الأخطر أن العنف الصامت يُطبَّع اجتماعيًا دون وعي: في المؤسسات التعليمية (التنمر الصامت)، في أماكن العمل (المضايقة النفسية)، وفي الأسر (الطلاق الصامت، الإهمال العاطفي). وهكذا، تُصبح العدوى ثقافة غير معلنة، تُطبع في العلاقات اليومية وتنتقل من جيل إلى جيل.

الأخلاقيات والرسائل الوقائية: كسر دائرة الصمت

الوعي بهذه العدوى يفرض علينا مسؤولية أخلاقية وإنسانية: أن نكسر دائرة الصمت، وأن نُعيد الاعتبار لقيمة الحوار والاعتراف بالآخر. فالعنف، مهما كان شكله، يترك ندوبًا عميقة في النفس والمجتمعولا علاج له إلا بالاعتراف بإنسانية الآخر وكرامته.

تُشير أبحاث الوقاية من العنف إلى أن المجتمعات التي تبني بنى تحتية عاطفية واجتماعية قوية (التربية العاطفية، العدالة الاجتماعية، ثقافة التسامح) تُحقق انخفاضًا ملحوظًا في معدلات العنف بنوعيه WHO, 2014، Cure Violence    Global, 2020. الوقاية تبدأ من:

  1. التربية على التعاطف (Empathy Education): تنمية القدرة على فهم مشاعر الآخرين منذ الطفولة.
  2. بناء مؤسسات عادلة: تضمن المساواة وتحمي الضعفاء من الإقصاء.
  3. تعزيز ثقافة الإصغاء: بدل ثقافة الصمت أو الصراخ، نحتاج إلى مساحات آمنة للحوار.

توصيات ومقترحات عملية

على المستوى الفردي والأسري:

  1. تعزيز التربية العاطفية: تعليم الأطفال التعبير عن المشاعر بشكل صحي (غضب، حزن، إحباط) بدلاً من كبتها، وفق برامج مثبتة الفعالية (CASEL, 2020).
  2. كسر الصمت العقابي: في العلاقات الزوجية والأسرية، يجب استبدال الصمت العدواني بـالحوار البنّاء، مع طلب مساعدة مهنية (استشاري أسري) عند الحاجة.

على المستوى التعليمي والمجتمعي:

  1. نشر ثقافة الحوار والإصغاء الفعّال: تدريب المعلمين والطلاب على مهارات الحوار وحل النزاعات سلميًا، برامج مثل: مبادرة المدارس الآمنة / السلمية. Peaceful Schools Initiative
  2. مواجهة التنمر الصامت: في المدارس والجامعات، بناء آليات كشف ومعالجة الإقصاء الاجتماعي والمضايقة النفسية.

على المستوى المؤسسي والسياسي:

  1. بناء سياسات اجتماعية حامية: قوانين تمنع الإقصاء والتمييز، وتوفر شبكات أمان اجتماعي (دعم نفسي، مساعدات اقتصادية) للفئات المهمشة.
  2. تفعيل العدالة الإصلاحية (Restorative Justice): بدلاً من العقاب الانتقامي، التركيز على إصلاح العلاقات وإعادة دمج المعتدين.

على المستوى الثقافي والديني:

  1. إبراز دور الخطاب الديني القيمي: تكثيف الخطاب الإسلامي (والديني عمومًا) على التسامح كقاعدة أصيلة، وليس كاستثناء. قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: 34).
  2. تشجيع الآداب وفنون الأداء: المسرح، الشعر، الرواية، كمساحات للتفريغ الإبداعي، وللتعبير عن المكبوت بشكل بنّاء (Arts-Based Therapy).

على المستوى البحثي:

  1. دعم الأبحاث المحلية: دراسات ميدانية في المجتمعات العربية لفهم أنماط العنف الصامت وآليات انتشاره، وتطوير برامج وقاية مُخصصة للسياق الثقافي.

 

وختاما:

من قابيل إلى اليوم... درس واحد

إن تشريح عدوى العنف الصامت يكشف أنها ليست مجرد ظاهرة فردية عابرة، بل اضطراب نفسي - اجتماعي يتطلب تدخلا علاجيا ةيتطلب جماعيًا متعدد المستويات. من قصة قابيل وهابيل الرمزية إلى ضحايا اليوم الأبرياء في بيوتنا، مدارسنا، وشوارعنا، وعالمنا، يبقى الدرس واحدًا:

لا خلاص من دائرة العنف إلا بكسر الصمت، وإعادة بناء إنسانية مشتركة تقوم على الرحمة، العدل، والاعتراف بكرامة الآخر.

حين سأل الله تعالى قابيل (رمزيًا): "ماذا فعلتَ؟لم يكن السؤال عن الفعل فقط، بل عن المسؤولية الأخلاقية التي نحملها تجاه بعضنا. واليوم، يطرح علم النفس نفس السؤالماذا نفعل لنوقف عدوى العنف؟

الجواب يبدأ بنا، بخياراتنا اليومية، بكلماتنا وصمتنا، بإصغائنا أو تجاهلناكل فعل صغير إما يُعدي بالرحمة أو بالعنف. فلنختر الرحمة.

والله الموفق والمستعان.

  • تمت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في توثيق المصادر والمراجع والمطابقة ولم ترد المراجع في الختام لكثرتها وتجنبا لتضخم المقالة لم ننشرها ولذا لزم التنويه والاعتذار.

انتهى،،،

شارك المقالة:

هل تحتاج إلى استشارة متخصصة؟

احصل على استشارة احترافية من خبرائنا المعتمدين

التعليقات

0 تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذه المقالة!