هل على الجامعة أن تستجيب للسوق أم أن تقوده؟
كتبه. د/ محمد فايع عسيري
يتكرر بين حين وآخر سؤال يكاد يتحول إلى لازمة في النقاشات التعليمية: هل الجامعات مطالبة بأن تستجيب للسوق، أم أن من واجبها أن تخلق السوق وتعيد تشكيله؟ وهذا السؤال في حقيقته لا يتعلق فقط بالبرامج الأكاديمية أو فرص التوظيف، بل يمس فلسفة الجامعة نفسها: ما الجامعة؟ وما الذي يفترض أن تصنعه في الإنسان والمجتمع؟
من الخطأ أن ننظر إلى الجامعة بوصفها مؤسسة لتخريج موظفين فحسب. نعم، من واجبها أن تزود الطالب بالمهارات الفنية والمهنية التي تعينه على العمل، وأن تهيئه للمنافسة في مجالات الاقتصاد والإدارة والتقنية وسائر التخصصات. لكن هذا ليس إلا جزءًا من رسالتها، وليس كل رسالتها. فالجامعة مطالبة كذلك بإعداد الإنسان من الداخل: فكريًا، ونفسيًا، واجتماعيًا، وأخلاقيًا. وهي مسؤولة عن بناء الشخصية السوية القادرة على التفكير، والحوار، والعمل الجماعي، وفهم الذات، والوعي بالمجتمع، والاعتزاز بالهوية والتاريخ.
ولهذا فإن اختزال الجامعة في مطلب “الاستجابة للسوق” اختزال يضر بالتعليم أكثر مما ينفعه. فالسوق، بطبيعته، لا يفكر إلا في الحاجة المباشرة، وفي الجدوى السريعة، وفي المهارة التي تحقق ربحًا أو تسد نقصًا آنيًا. أما الجامعة فلا ينبغي لها أن تكون أسيرة هذا الأفق القصير. وظيفتها أوسع من ذلك بكثير؛ لأنها لا تصنع يدًا عاملة فقط، بل تصنع عقلًا، ووعيًا، وذوقًا، ورؤية.
مالفائدة من خريج يتقن الحاسب، أو يبرع في الإدارة، أو يمتلك أدوات تقنية متقدمة، لكنه لا يحسن التواصل مع زملائه، ولا يستطيع التعبير عن نفسه، ولا يعرف تاريخ وطنه، ولا يملك أي صلة حقيقية بتراثه، ولا يتمتع بالحد الأدنى من الاتزان النفسي والاجتماعي؟ وما قيمة المهارة حين تنفصل عن المعنى، أو حين يصبح الإنسان كفؤًا في الأداء، عاجزًا في الوعي؟
إن تاريخ البشرية نفسه يعلمنا أن العلم حين يُنتزع من الأخلاق قد يتحول إلى خطر. فالتقدم العلمي، مهما اتسع، لا يكفي وحده لصناعة إنسان راشد. والسياسيون الذين امتلكوا أدوات القوة والهيمنة ولم تردعهم القيم أنتجوا مآسي كبرى في التاريخ. والعلم الذي لا تسنده رؤية إنسانية قد يصبح أداة بطش بدل أن يكون وسيلة بناء. ولهذا كانت العلوم الإنسانية، من أدب وتاريخ وفلسفة وأنثروبولوجيا وعلم اجتماع، ضرورة حضارية لا ترفًا جامعيًا. هذه العلوم لا تمنح الإنسان وظيفة مباشرة دائمًا، لكنها تمنحه ما هو أعمق: الوعي بالإنسان، وفهم المجتمع، والقدرة على مساءلة القوة، والنظر النقدي إلى العالم.
الجامعة، إذن، ليست مطالبة بأن تدير ظهرها للسوق، لكنها ليست مطالبة كذلك بأن تنحني له. المطلوب هو التوازن: أن تُعِدّ الطالب لسوق العمل، ولكن من دون أن تسمح للسوق أن يختزل معنى التعليم. عليها أن تواكب التحولات الاقتصادية، وأن تطور برامجها، وأن تستجيب للمستجدات التقنية والمهنية، لكن عليها أيضًا أن تظل وفية لوظيفتها الكبرى: تخريج إنسان قادر على العمل، وقادر كذلك على التفكير، وعلى التمييز، وعلى الإسهام في بناء مجتمعه لا مجرد الاندماج الآلي في آلته الاقتصادية.
من هنا فإن السؤال الأدق ليس: هل تستجيب الجامعة للسوق أو تخلقه؟ بل: كيف تستجيب له من غير أن تفقد قدرتها على قيادته؟ وكيف تتعامل مع حاجاته دون أن تذوب فيها؟ فالجامعة الحقيقية لا تتحرك بمنطق رد الفعل فقط، بل بمنطق الرؤية. وهي لا تنتظر من السوق أن يملي عليها كل شيء، بل تسهم في اقتراح مجالات جديدة، وفتح آفاق جديدة، وصناعة تصورات جديدة للعمل والمعرفة والإنسان.
الخلاصة أن الجامعة ينبغي أن تدخل السوق لتعدل فيه، لا أن تستجيب لكل ما يريده السوق؛ لأن السوق لديه اعتبارات غير الاعتبارات الحضارية، السوق يفكر في اللحظة الحاضرة لا في اللحظة الحضارية.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!