طلب مستشار أو مدرب تسجيل حساب شركة أو هيئة تسجيل حساب خبير جديد تسجيل حساب مستفيد جديد تسجيل الدخول
طلب استشارة جديد

المرونة: ركيزة الابداع والتميز لحياة ذات معنى ( الجزء الثاني )

المرونة: ركيزة الابداع والتميز لحياة ذات معنى (الجزء الثاني)

كتبه. أ. د/ أحمد علي المعمري

المرونة والتفكير الإبداعي/ الإبداع: علاقة تبادلية عميقة...المرونة كونها مكونا جوهريا وبعدا أساسيا للتفكير الإبداعي والابداع، لا يولد الإبداع - دوما - في بيئة مثالية، بل غالباً ما يزدهر في بيئات تعمل على مواجهة التحديات والقيود. وهنا يتجلى درور المرونة كمحفزة وداعمة للعقل  وعمله ومساعدة له في التحرر والقدرة على تجاوز الصعاب التي  تعترضه أو قد تعترضه ، وهي التي تساعده على التحرر من الجمود والتصلب   كونها تسمح له بالتحرر من الجمود الذهني والانفتاح على حلول غير مألوفة (العلاقة بين الاصالة والمرونة هنا تتقاطع وتتكامل وتتجلى بأوضح صورها ، وكما ذكرت في مقال سابق ان روشكا قال رأيا علميا مهما لايوافقه عليه معظم علماء الابداع وهو أن المرونة أهم من الاصالة وبقية المكونات/ الأبعاد الأخرى  في تشكيل وتكوين العقل المبدع والشخصية المبدعة والمنتج المبدع والبيئة المحفزة للأبداع، و أقصد بتلك المكونات / الأبعاد: (الطلاقة والمرونة والحساسية للمشكلات والاصالة) كأبعاد متفق عليها بين علماء الابداع وعلم النفس المعرفي وعلم النفس التربوي المعرفي - وكما وعدناكم في مقالة سابقة  أننا سنقف عند رأي روشكا فأننا نذكر أن  الوعد مازال  قائما - ، وبعون الله نعود في تناوله قادمة حول المرونة من منظور العالم الروماني روشكا مقارنة ببقية العلماء الاخرين، وهنا يجب القول انه من الواجب الحديث عن الابداع  والتفكير الإبداعي في الدراسات النفسية  العربية الحديثة والمعاصرة وربما نتناول مستقبلا  المفكر وعالم النفس العربي المصري  المرحوم مصطفى سويف كنموذج سبق جيلفورد وتورانس في الحديث عن اصالة التفكير ومكونات الابداع وذلك في رسالته  للماجستير عن الابداع الادبي وفي الشعر خاصة، بجامعة القاهرة في أربعينيات القرن العشرين، وبعدها قاد سويف تيارا من الباحثين / طلبة الدراسات العليا، ثم العلماء والمفكرين في عدة مجالات وأصبحت مدرسة  علم النفس بجامعة القاهرة تيارا رصينا  في دراسة التفكير الإبداعي ومكونات الابداع   بشكل عام ، ويجب الإشارة هنا الى أن تيار  جامعة القاهرة يتكامل ويتقاطع مع تيارات عين شمس (كلية التربية)، وبغداد (نوري جعفر وعلم الاعصاب  والابداع) ودمشق (فاخر عاقل ودراسة الابداع من منظور التربية وعلم النفس التربوي)، وللحديث بقية مفصلة في تناولات قادمة ومستقلة عند الحديث عن علم النفس في الوطن العربي خلال 100 عام).

 ونعود الى الحديث عن المرونة حسب ما يرد في نتائج الدراسات العلمية العالمية، ففي نفس السياق من الواجب   التوضيح بإن الأدلة التجريبية تدعم هذه العلاقة بقوة: ففي دراسة Arán Filippetti & Krumm (2020) أثبتت وجود نموذج هرمي للمرونة المعرفية يربطها بالإبداع والإنجاز الأكاديمي، ودراسة Lin et al. (2014) أظهرت أن المرونة المعرفية تتوسط العلاقة بين العاطفة والأداء الإبداعي.

ماذا تتضمن الآليات المعرفية للمرونة؟

الآليات النفسية المعرفية تتضمن:

أولاً: كسر الأنماط الذهنية التلقائية والانفتاح على زوايا نظر جديدة.

ثانياً: إعادة تفسير الفشل كفرصة للتعلم وليس كنهاية الطريق، مما يحفظ الدافعية الإبداعية وصيرورتها.

ثالثاً: توسيع الشبكة المفاهيمية عبر معالجة معلومات من مصادر متعددة وربطها بطرق غير مألوفة، وهو جوهر التفكير الإبداعي/الإبداع.

رابعاً: تقليل الخوف من المجهول والاستعداد للتجريب، وهو شرط أساسي لمن يخوض المغامرات الفكرية الكبرى التي تقود وتؤدي للأبداع وخاصة الإنتاج الإبداعي ذي المعني.

ومن المهم جدا الإشارة الى أهمية المرونة بأنواعها ومستوياتها المتعددة للفنان والاديب (شاعرا وناثرا وروائيا وقاصا وممارسا لكل فنون الأداء)، فالمرونة لهم  تعني القدرة على استكشاف أساليب تعبيرية جديدة دون الخوف من فقدان الهوية الأدبية أو  الفنية، أما المشتغل بالبحث العلمي   فالانفتاح  على فرضيات غير تقليدية قد تقود بل حتما تقود  لاختراقات معرفية وعلمية كبرى (للعالم المشهور دين كيث سايمنتن) دراسات في هذا الحقل من منظورات القياس النفسي والدراسات التاريخية ، وله كتاب في غاية الروعة والاهمية في هذا الحقل، الكتاب ترجمه الى العربية عالم النفس الإبداعي واحد تلاميذ سويف ووزير الثقافة المصري الأسبق شاكر عبد الحميد سليمان رحمه الله، والكتاب متاح مجانا في  السلسلة الرائدة أقصد سلسلة عالم المعرفة، الكويت) ومن نافلة القول التذكير بضرورة الاهتمام دوما بالمرونة كونها بوابة رئيسة نحو التجديد وتجاوز المألوف.

المرونة والتميز المهني والحياتي

ففي بيئة العمل، أثبتت دراسات متعددة أن المرونة تحمي من الإجهاد المهني والإنهاك وتعزز الرضا الوظيفي والأداء، الإحصاءات تشير إلى أن 75%من الموظفين المرنين يحققون نجاحاً مهنياً أكبر مقارنة بأقرانهم من العاديين أو المتصلبين، فالمرونة تمنح من يتمتع بها القدرة على اتخاذ قرارات واعية، تجنب الانجراف وراء الضغوط، والحفاظ على توازن داخلي ينعكس في وضوح الأهداف وجودة العلاقات والإحساس بالرضا بما يقوم به الفرد في حياته الشخصية ومساره المهني.

وقد لا نأتي بجديد إن قلنا إن التميز الحياتي لا يُقاس فقط بالإنجازات المادية، بل بالوعي بمعنى الحياة وجودتها والسعي للوصول اليهما.  في دراسة Di Fabio & Palazzeschi (2015) أجريت على طلبة من المرحلة الثانوية في إيطاليا أظهرت النتائج أن المرونة أضافت تبايناً متزايدا بصورة ملحوظة (12 - 19%) في تفسير الرفاهية بعد السيطرة على الذكاء السائل والسمات الخمس الكبرى للشخصية، مما يؤكد أن المرونة تتجاوز القدرات المعرفية والسمات الشخصية (منفردتان) في تأثيرهما على جودة الحياة.

المرونة كمسار لحياة ذات معنى:

قدمت Carol Ryff (2014) نهجاً يودايمونيك) الروح الطيبة / الحياة الطيبة /)، (eudaimonic) للمرونة، يركز على تحقيق الذات وصنع المعنى في مواجهة الشدائد، بدلاً من مجرد العودة إلى الحالة السابقة. هذا النهج يؤكد أن المرونة الحقيقية ليست في الارتداد إلى الماضي، بل في النمو والتحول من خلال التحديات. فيكتور فرانكل، الذي نجا من معسكرات الاعتقال النازية، خلص إلى أنالحياة لا تصبح محتملة بسبب الظروف، بل بسبب وجود المعنى والهدف، في دراسة Arslan & Yıldırım (2021) الطولية أثناء جائحة كورونا أظهرت أن المعنى في الحياة تنبأ بالمرونة، والمرونة بدورها تنبأت بالرفاهية النفسية، مؤكدة أن المعنى يُعد مصدراً وقائياً أساسياً للصحة النفسية.

المرونة ليست تنازلاً عن الأهداف، بل إعادة توجيهها نحو ما هو أعمق وأسمى. فهي تمنح الفرد وضوحاً في المقاصد، وتساعده على ترتيب الأولويات، وتجاوز العقبات دون فقدان بوصلة السير بغرض الوصول. بهذا تصبح المرونة أداة للوصول إلى حياة ذات معنى، حيث يُقاس النجاح بقدرة الفرد على العيش وفق قيمه وتوجهاته النبيلة الداخلية، لا بمجرد الإنجازات الخارجية، (ربما هنا نحى حديثنا منحى عاطفي مبالغ فيه) ولذا لزم التنويه.

استنتاجات وتوصيات تطبيقية

الاستنتاج الأول: المرونة ليست سمة فطرية ثابتة، بل عملية ديناميكية قابلة للتطوير من خلال الممارسة الواعية والتدريب الممنهج.

الاستنتاج الثاني: المرونة متعددة الأبعاد، ولا يمكن اختزالها في بعد واحد.  ولذا فالتطوير الشامل يتطلب العمل على الأبعاد النفسية والمعرفية والاجتماعية والقيمية مجتمعة، (لا لتفكيك الشخصية الإنسانية)

الاستنتاج الثالث: المرونة محرك أساسي للتفكير الإبداعي وللإبداع وليست مجرد عامل مساعد، كونها عامل حاسم في توفير الدافع والمحرك والرافع النفسي والمعرفي الذي يزدهر فيه التفكير الإبداعي.، والشخصية المبدعة والمنتج الإبداعي P. s 4

توصيات ومقترحات تطبيقية (قابلة للتطبيق):

للطلبة والباحثين: مارسوا تحويل المهمة المتعمد (تعلم لغة جديدة، مهارة مختلفة، نهج بحثي متباين) لتعزيز المرونة المعرفية. اقرأوا خارج تخصصكم، واطرحوا أسئلة غير تقليدية، واستكشفوا مناهج بحثية متعددة.

للفنانين والأدباء: احتفظوا بدفتر تجريبي تستكشفون فيه أساليب تعبيرية جديدة دون قيود. المرونة الفنية تتطور عبر الممارسة الآمنة في فضاء لا يخشى فيه الفنان الفشل.

للمهنيين: اعملوا على بناء شبكات دعم اجتماعي متنوعة في العمل والحياة الشخصية. مارسوا اليقظة الذهنية (لتكن 10 دقائق يومياً) لتعزيز الاتصالات العصبية المرتبطة بالمرونة، تعلموا إعادة الصياغة المعرفية لتحويل التحديات إلى فرص تعلم.

لعموم القراء والمتابعين: حددوا قيمكم الشخصية الجوهرية واكتبوها، ثم راجعوا قراراتكم بانتظام لتتأكدوا من توافقها مع هذه القيم. فالعيش الموجه بالقيم يعزز المرونة القيمية ويقلل الإجهاد الداخلي.

مقترح للمعالجين النفسيين: دمج تدريبات المرونة المعرفية (مثل ألعاب التحويل الذهني) مع العلاج المعرفي السلوكي والعلاج بالقبول والالتزام لتعزيز المرونة النفسية لدى المستفيدين.

مقترح للمؤسسات التعليمية: تضمين برامج تنمية المرونة في المناهج الدراسية، مع التركيز على المرونة المعرفية كمهارة قابلة للتدريب وليس كموهبة فطرية.

وخلاصة القول هي دعوة للفهم والاهتمام الواعي والمرن بعمق وفاعلية

المرونة ليست ضعفاً أو تخاذلاً، بل هي قوة واعية تجمع بين الثبات على القيم والانفتاح على التغيير، بين الجذور العميقة والأغصان المتحركة مع الريح. في عالم يتسم بعدم اليقين المتزايد، تصبح تنمية المرونة استثماراً استراتيجياً في رأس المال النفسي الإيجابي، من أجل تمكين الأفراد تحويل التحديات إلى فرص، والعيش بأصالة وعمق يتجاوز قياس الحياة بطولها إلى قياسها بعمقها وثرائها ومعناها. المرونة دعوة إلى تبني فلسفة التوافق الواعي، حيث نحتفظ بجرس التذكير والبوصلة الداخلية بينما نسير على اليابسة ونبحر في بحار الحياة المتقلبة، محققين التوازن الدقيق بين الثبات والتحول، بين الأصالة والتجديد، بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على الآخر. ودمتم بحياة ذات معنى.

نسأل الله التوفيق،،

انتهى،،،

شارك المقالة:

هل تحتاج إلى استشارة متخصصة؟

احصل على استشارة احترافية من خبرائنا المعتمدين

التعليقات

0 تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذه المقالة!