نحو فهم جديد للأداء الحركي: مقاربة علمية من منظور نظريات السلوك الحركي
د. عبد العزيز عبد الكريم المصطفى
يهدف هذا المقال إلى إبراز نظريات السلوك الحركي بوصفها استجابة علمية للتحوّل المعرفي المعاصر في فهم الآليات الذهنية التي يعالج من خلالها الفرد الأداء الحركي. ويُعد هذا الحقل إطارًا تجريبيًا يعتمد على الممارسة الميدانية لتحليل عمليات التعلم والتحكم الحركي في سياقات تدريبية متنوعة، في مقابل النظريات النفسية التقليدية التي استندت إلى دراسات سلوك الحيوان، ولم تعد منسجمة مع الفهم الحديث للتعلم الحركي القائم على الإدراك والمعالجة العقلية.
وقد أسهم هذا التحوّل في إعادة صياغة الأسئلة البحثية المرتبطة بالأداء الحركي؛ إذ لم يعد التركيز منصبًّا على الاستجابات الخارجية القابلة للملاحظة، بل امتدّ ليشمل العمليات المعرفية التي تسبق الفعل الحركي وتوجّهه. فالدراسات المعاصرة باتت تُعنى بفهم كيفية إدراك اللاعب للموقف، ومعالجة المعلومات الحسية، واتخاذ القرار في بيئات تدريبية تتسم بالتعقيد والديناميكية. ومن هذا المنظور، أصبح التعلم الحركي عملية تكاملية تجمع بين الخبرة الميدانية والبناء المعرفي، لا مجرد تراكم ميكانيكي للمهارات الحركية.
وتكشف هذه الإشكالية عن فجوة معرفية بين ما تطرحه النماذج النفسية التقليدية وما تتطلبه بيئات الأداء الرياضي المعقدة من فهم أعمق للعمليات العقلية التي تسبق الفعل الحركي وترافقه. فالسلوك الحركي، بوصفه علمًا قائمًا على الدمج بين الإدراك والمعالجة الحسية–الحركية، يقدّم إطارًا أكثر دقة لتفسير كيفية تشكّل المهارة وتطورها عبر التفاعل المستمر بين اللاعب والميدان. ومن ثمّ، لم يعد التعلم الحركي يُفهم باعتباره سلسلة من الاستجابات الشرطية، بل باعتباره عملية معرفية–ديناميكية تتضمن بناء التمثيلات العقلية وتحديثها وتوظيفها في اتخاذ القرار الحركي.
وفي مقابل الطابع التفسيري العام الذي اتسمت به النظريات النفسية التقليدية، برزت نظريات السلوك الحركي—ومنها النظرية المفتوحة Schema Theory والنظرية المغلقة Closed‑Loop Theory ومنحنى معالجة المعلومات Information Processing Theory وتأثير تداخل المحتوى Contextual Interference Effect والنظرية البيئية Ecological Theory، وكذلك نظريات التحكم الحركي بوصفها إطارًا علميًا قادرًا على تقديم تفسير أكثر دقة وعمقًا لآليات التعلم الحركي الإنساني. إذ تسهم هذه النظريات في تنظيم معطيات التعلم الحركي، وتبسيطها، والتنبؤ بمساراتها، وضبط متغيراتها بما ينعكس على جودة الأداء وتطور المهارات. ومع ذلك، لا يزال حضور هذا الحقل المعرفي في المدرسة العربية محدودًا، كما تكشفه ندرة الدراسات والأبحاث والكتب التي تناولت مبادئ التطور الحركي، والتعلم الحركي، والتحكم الحركي، على الرغم من أهميته المتزايدة في فهم السلوك الحركي وتطويره.
وفي ضوء هذا التحوّل، يبرز تساؤل جوهري حول مدى انسجام النظريات النفسية التقليدية مع مبادئ التعلم الحركي، وهو تساؤل مشروع في ظل التطور المعرفي–العصبي الذي شهده علم السلوك الحركي خلال العقود الأخيرة. ويمكن تناول هذا الإشكال من خلال طرح السؤال الآتي: إلى أي حد تُسهم النظريات النفسية التقليدية والمعاصرة في تفسير التعلم الحركي الإنساني، وما حدود قدرتها على استيعاب العمليات المعرفية–العصبية المرتبطة به؟
ويمثّل هذا التساؤل مدخلًا نظريًا مهمًا لإعادة اختبار العلاقة بين النظريات النفسية التقليدية ونظريات السلوك الحركي، بما يمهّد لبناء إطار معرفي أكثر اتساقًا مع طبيعة التعلم الحركي ومتطلباته، ويكشف في الوقت ذاته عن القصور الذي يستدعي مزيدًا من البحث والتطوير.
وحول إجابة السؤال المحوري ما مدى قدرة النظريات النفسية التقليدية والمعاصرة على تفسير التعلم الحركي الإنساني؟
تُعدّ النظريات النفسية التقليدية—السلوكية والمعرفية والبنائية—أساسًا تاريخيًا لفهم عمليات التعلم، وقد أسهمت في تفسير مفاهيم مهمة مثل التحفيز والانتباه والتعزيز والتصور الذهني. غير أن قدرتها على تفسير التعلم الحركي الإنساني تبقى محدودة، لأنها لم تُصمَّم لفهم العمليات العصبية–الحركية المعقدة، واعتمدت في جزء كبير منها على تجارب الحيوان. ورغم أنها تساعد في تفسير الفروق الفردية والدافعية وتنظيم بيئة التعلم، فإنها لا تقدّم تفسيرًا كافيًا لكيفية اكتساب المهارة الحركية وتثبيتها واستدعائها والتحكم فيها وتطويرها ثم تعميمها، كما أنها لا تعالج بعمق العمليات العقلية التي تسبق الأداء الحركي
وفي المقابل، برز علم السلوك الحركي بوصفه الإطار الأكثر اتساقًا مع طبيعة التعلم الحركي الإنساني، لأنه يدرس المهارة في سياقها الواقعي، ويحلّل التفاعل المستمر بين اللاعب والبيئة، ويعتمد على نماذج تجريبية تُختبر مباشرة في مواقف اللعب. وقد أسهمت أعمال شيمدت، وآدمز وغيرهم في ترسيخ هذا الحقل بوصفه الأساس العلمي لعلوم الحركة وبرامج التربية البدنية، مع التركيز على فهم كيفية تشكّل المهارة وتطورها عبر عمليات الإدراك، والذاكرة، والانتباه، والتنظيم العصبي للحركة.
وقد كشفت دراسة آدمز (1971) بوضوح قصور النماذج التقليدية؛ إذ أظهرت أن الإنسان لا يتعلم وفق نموذج التحفيز، الاستجابة كما في تجارب الحيوان، وأن تأخير التعزيز لا يؤدي إلى انخفاض الأداء، وأن الفرد يوجّه سلوكه ذاتيًا ويصحّح أخطاءه حتى في غياب المكافأة الخارجية. وتؤكد هذه النتائج أن التعلم الحركي الإنساني يقوم على عمليات معرفية واعية تتضمن التقييم والتحليل واتخاذ القرار، وهي عمليات لا تستطيع النظريات التقليدية تفسيرها.
ومن هذا المنطلق، يغدو علم السلوك الحركي ضرورة علمية لإعادة بناء الفهم المعاصر للتعلم الحركي، لأنه يدمج بين النمو العصبي–المعرفي ومتطلبات الأداء الحركي. فالتعلم الحركي لا يُختزل في اكتساب المهارة، بل يتضمن فهمًا لكيفية تشكّلها وتطورها عبر التفاعل المستمر بين اللاعب والبيئة، مما يجعل الرياضي فاعلًا معرفيًا قادرًا على اتخاذ القرار، لا مجرد منفّذ لسلوكيات مبرمجة مسبقًا كالربوت.
وتتضح أهمية هذا المنظور حين نربط بين ما طرحه ستيرنبرغ في نظرية الاستثمار في الإبداع (1991) من أن الإبداع يمر بمراحل معرفية متدرجة، المعرفة، الفهم، التطبيق، التحليل، والتقييم—وما أكده هرم بلوم (1956)، وبين طبيعة التعلم الحركي بوصفه عملية عصبية–كيميائية تحدث داخل المخ. فالمهارة الحركية لا تُكتسب بصورة فعّالة إلا بعد معالجة المعلومات وترميزها وتخزينها وربطها بخبرات جديدة، وهو ما تؤكده نماذج التعلم الحركي الحديثة التي تركز على بناء التمثيلات العقلية وتحديثها باستمرار.
ويبرز دور المخ في الأداء الحركي من خلال مسؤوليته عن التخطيط، ومعالجة المعلومات، وسرعة اتخاذ القرار، ودقة ضبط التوقيت ؛ مما يجعل حركة الانسان عملية معرفية–عصبية معقدة تتجاوز كونها نشاطًا عضليًا. ويعزز ذلك ما طرحه ستيرنبرغ (1985) حول تكامل القدرات التحليلية والإبداعية والعملية في الذكاء الإنساني، وما أكده جاردنر (1993) في نظرية الذكاءات المتعددة من أن الذكاء نشاط عقلي متنوع يتأثر بالعوامل البيئية والتكوينية، ويُظهر الفروق الفردية بين المتعلمين. ومن هذا المنظور، يصبح الأداء الحركي انعكاسًا مباشرًا لقدرة اللاعب على توظيف قدراته العقلية في فهم الموقف وتحليل معطياته واتخاذ القرار المناسب وتعديل السلوك وفقًا لمتغيرات البيئة.
تمثّل النظريات المعاصرة في علم السلوك الحركي إطارًا علميًا متقدمًا لفهم التعلم الحركي الإنساني، لأنها تتجاوز التفسيرات السلوكية التقليدية نحو مقاربة معرفية–عصبية تدرس المهارة في سياقها الطبيعي، وتُحلّل التفاعل المستمر بين اللاعب والبيئة. فهذه النظريات—مثل النظم الديناميكية، والقيود، والمعالجة المعلوماتية، والتحكم الحركي، والتمثيلات العقلية—لا تكتفي بوصف السلوك، بل تفسّر كيفية تشكّل المهارة وتطورها، وتضبط المتغيرات المؤثرة في الأداء، وتوضح آليات اتخاذ القرار والتكيف تحت الضغط، مما يجعلها أكثر اتساقًا مع طبيعة الأداء الرياضي الحديث.
وفي المقابل، تكشف الأدبيات أن النظريات النفسية التقليدية—على أهميتها التاريخية—قدمت تفسيرات عامة للتعلم، لكنها لم تُصمَّم لفهم التعلم الحركي الإنساني القائم على عمليات عصبية–معرفية معقدة. واعتمادها على تجارب الحيوان حدّ من قدرتها على تفسير السلوك الحركي القائم على التفكير الواعي، والتحليل، والتصحيح الذاتي. وقد أبرزت دراسة آدمز (1971) هذا القصور عندما أظهرت أن الإنسان لا يتعلم وفق نموذج التحفيز–الاستجابة؛ إذ يستطيع تصحيح الأخطاء ذاتيًا، وتوجيه أدائه داخليًا، والمحافظة على جودة التنفيذ حتى في غياب التعزيز الخارجي، مما يؤكد أن التعلم الحركي الإنساني يقوم على عمليات معرفية واعية لا تعالجها النماذج التقليدية.
ويُعد هذا التحول المعرفي–العصبي أساسًا لإعادة بناء الفهم المعاصر للتعلم الحركي، لأنه يعيد تعريف اللاعب بوصفه فاعلًا معرفيًا قادرًا على تحليل الموقف، توقع الأحداث، واتخاذ القرار الأمثل في اللحظة المناسبة، لا مجرد منفّذ لسلوكيات مبرمجة مسبقًا. كما تسهم هذه النظريات في تطوير الإبداع المهاري من خلال تعزيز الاستكشاف الحركي، والمرونة، والتفكير الاستراتيجي، مما يجعل المهارة الحركية قدرة على حل المشكلات وتوليد حلول جديدة وتعديل الأداء وفقًا لمتغيرات البيئة.
ورغم هذا التطور العلمي، لا يزال حضور علم السلوك الحركي في المدرسة العربية محدودًا، كما تكشفه ندرة الدراسات والبرامج التي تتناول التطور الحركي والتعلم والتحكم الحركي. وتبرز هذه الفجوة الحاجة إلى تضمين هذا الحقل في إعداد المعلّمين والمدرّبين وربطه بالبحث والدراسات التجريبية، بما يسهم في بناء لاعب مفكّر قادر على معالجة المعلومات والتكيف مع المتغيرات واتخاذ القرار بكفاءة في سياقات الأداء المختلفة.
وخلاصة القول، تُظهر نظريات التعلم الحركي قدرة تفسيرية عملية ودقيقة للأداء الإنساني لأنها تدرس السلوك الحركي في سياقه الطبيعي، وتُفعّل دور الإدراك والجهاز العصبي في اتخاذ القرار وضبط الحركة أثناء مواقف اللعب. وبهذا تتفوق على النظريات التقليدية، وتقدّم أساسًا علميًا لبناء برامج تدريب واقعية تُنمّي لاعبًا قادرًا على معالجة المعلومات والتكيف مع متغيرات الأداء الحركي المتعددة.
الكلمات المفتاحه الأداء الحركي نظريات التعلم الحركي نظريات علم النفس
المراجع
المصطفى، عبد العزيز (2018). قياس مهارات تركيز الانتباه للحكام السعوديين في كرة القدم . مجلة العلوم و التكنولوجية للنشاطات البدنية والرياضية،15، ع 5، ص 1-21. جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم بالجزائر.
المصطفى، عبد العزيز (2018). التعلم الحركي في ضوء مفهوم آلية التفكير لدى الأطفال والبالغين. مجلة العلوم والتكنولوجية للنشاطات البدنية والرياضية. عدد خاص للملتقى الدولي الثامن: علوم الأنشطة البدنية والرياضية وتحديات الألفية الثالثة. جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم بالجزائر، ص 239-259.
المصطفى، عبد العزيز (2016). أساليب مهارات الانتباه كما يدركها حكام كرة القدم السعوديين. مجلة العلوم الرياضية والمرتبطة بجامعة طرابلس، ع 24 ديسمبر، ص 16-69، ليبيا.
المصطفى، عبد العزيز (2015). The Effects of Three Levels of Contextual Inference Among Athlete Children. Journal of Sports Medicines. International Conferences on Sports Medicine & Fitness, March 23-25 Chicago, USA
المصطفى، عبد العزيز (2013). النمو والتطور النفس الحركي للأطفال. جامعة الدمام. (بدعم من جامعة الدمام)
المصطفى، عبد العزيز (2011). الخبرة والتدريب وعلاقتهما بالإبداع الحركي خلال مرحلتي الممارسة والتعميم. المجلة الاردنية بالجامعة الاردنية مؤتمر الابداع الحركي 5-6- 7، الأردن. عدد خاص.
المصطفى، عبد العزيز (2001). الذاكرة وآلية معالجة المعلومات وعلاقتها بتعلم الأطفال المهارات الحركية. اتحاد التربية البدنية، الرياض. (وزارة الرياضة)
المصطفى، عبد العزيز (1999). دراسة الفروق بين الأطفال والكبار في تعلم مهارة التصويب في كرة اليد في ضوء النظرية المفتوحة. المجلة التربوية، المجلد الثالث عشر، ع 52 جامعة الكويت، ص 141-171، الكويت.
المصطفى، عبد العزيز (1998). أثر التكرار كقدرة استراتيجية في تعلم الأطفال المهارات الحركية. مركز البحوث التربوية كلية التربية، جامعة الملك سعود ع 145، الرياض.
المصطفى، عبد العزيز (1996). أثر الخبرة في تعلم المهارات الحركية في ضوء تأثير تداخل المحتويات. حولية كلية التربية, ع 13، كلية التربية، جامعة قطر ص 489-509.
المصطفى، عبد العزيز (1995). علم النفس الحركي. دار الإبداع الثقافي. الرياض. (بدعم من دار الابداع الثقافي بالرياض).
Adams, J. A. (1971). A closed-loop theory of motor learning. Journal of Motor Behavior, 3(2), 111–150.
Battig, W. F. (1966). Facilitation and interference. In E. A. Bilodeau (Ed.), Acquisition of skill (pp. 215–244). Academic Press.
Haywood, K. M., & Getchell, N. (2020). Life span motor development (7th ed.). Human Kinetics.
Latash, M. L. (2016). Towards a physics of motor behavior. Motor Control, 20(2), 188–207.
Lee, T. D., & Schmidt, R. A. (2014). Motor learning and performance: From principles to application (5th ed.). Human Kinetics.
Magill, R. A., & Anderson, D. (2017). Motor learning and control: Concepts and applications (11th ed.). McGraw-Hill.
Newell, K. M. (1991). Motor skill acquisition. Annual Review of Psychology, 42, 213–237.
Schmidt, R. A. (1975). A schema theory of discrete motor skill learning. Psychological Review, 82(4), 225–260.
Schmidt, R. A., & Lee, T. D. (2019). Motor control and learning: A behavioral emphasis (6th ed.). Human Kinetics.
Wulf, G., & Lewthwaite, R. (2016). Optimizing performance through intrinsic motivation and attention for learning: The OPTIMAL theory of motor learning. Psychonomic Bulletin & Review, 23(5), 1382–1414.
التعليقات
1 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق