قراءة تحليلة في كتاب: فلسفـــات التربية -الجزء الثاني
كتبه. د/ عبدالعزيز عوض العتيبي
في الجزء الأول من هذه القراءة، تم استعراض الإطار العام لكتاب فلسفات التربية، من حيث بنيته العلمية، ومنهجيته في عرض الفلسفات التربوية عبر تسلسل تاريخي يعكس تطور الفكر الإنساني. كما تبين أن الكتاب لا يقتصر على العرض الوصفي، بل يتجاوز ذلك إلى بناء تصور متكامل يربط بين الفلسفة والتربية بوصفهما إطارين موجهين للفعل التربوي.
وانطلاقًا من هذا التأطير، يأتي هذا الجزء ليقف عند الفصل الأول بوصفه مدخلًا تأسيسيًا، يعالج ماهية الفلسفة، ومعانيها، ونشأتها، وسماتها، بما يهيئ لفهم أعمق للفلسفات التربوية في الفصول اللاحقة.
أولاً: الفلسفة
عبر عنها المؤلف بأنها الوسيلة التي تساعد على التفكير للإجابة على عدة تساؤلات جديدة، فهذه الفلسفة قامت بدراسة المسائل الكبرى في الوجود، معتمدة على العقل وحده، كانت ولا زالت اعترافًا بنضج وكمال وقدرة العقل الإنساني على التخطيط السليم لرسم مسيرة الحضارة الإنسانية.
لقد خلّصت الفلسفة (والتفكير الفلسفي) الإنسان من حياته البدائية الأولى؛ حيث كان الإنسان أسيرًا للبيئة المحيطة به، كما كان أسيرًا للمجتمعات المغلقة التي يعيش ضمنها، وبالتفلسف والتفكير الفلسفي نظم الإنسان حياته في كافة مجالات الحياة.
ولو تأمل أي منا حياته بعقلانية، لوجد أن له فلسفة خاصة به، يسير في كنفها، ويهتدي بنورها، ويستظل بظلالها، ويسلك بمعطياتها، مكيّفًا حياته وعلاقاته مع الآخرين.
ومن هنا يمكن القول إن لكل فرد فلسفته، ولكل مجتمع فلسفته، ولكل عقيدة فلسفتها، ولكل عصر من العصور فلسفاته النابعة من تنوع أفكار أهله وناسه. يقول ديكارت:
"إنما تقاس حضارة الأمة وثقافتها بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها..."
ويخلص المؤلف إلى أن التفكير الفلسفي حق إنساني، لا يرتبط بالجنس أو الدين أو اللون، وأن الفيلسوف أكثر الناس وعيًا ويقظةً وشعورًا بالمسؤولية.
ثانيًا: معاني الفلسفة
كانت لفظة الفلسفة عند قدماء اليونان تدل على "حب الاستطلاع"، أي كل جهد يقوم به العقل في سبيل تزويد صاحبه بالمعارف.
- عند الفلاسفة الطبيعيين: تعني البحث عن أصل الكون وتفسيره.
- عند السفسطائيين: أصبحت وسيلة جدل وخطابة.
- عند فيثاغورس: تعني "حب الحكمة".
- عند سقراط: تحولت إلى دراسة الأخلاق والإنسان.
- عند أفلاطون: شملت الطبيعة والنفس والأخلاق.
- عند أرسطو: "البحث عن الموجودات بما هي موجودة".
أما عند الفلاسفة المسلمين:
- الكندي: الفلسفة أشرف الصناعات الإنسانية.
- الفارابي: العلم بالموجودات.
- ابن سينا: استكمال النفس بالمعرفة.
وفي العصر الحديث:
- ديكارت: الاعتماد على العقل
- بيكون: التجربة
- لوك وهيوم: تحليل المعرفة
- كانت: تحليل إمكان المعرفة
- ديوي: توجيه النشاط الإنساني عمليًا
ويخلص المؤلف إلى تعريف الفلسفة بأنها:
نشاط عقلي نقدي منظم يهدف إلى تحليل الموجودات المحسوسة وغير المحسوسة.
ثالثًا: نشأة الفلسفة
بدأت الفلسفة في اليونان القديمة، ومن أبرز روادها:
- المدرسة الملطية: طاليس، أنكسيمندر، أنكسيمانس
- هرقليطس
- فيثاغورس
- الإيليون
- أنبادوقليس (العناصر الأربعة)
- ديمقريطس (النظرية الذرية)
ثم ظهر السفسطائيون (مثل بروتاغوراس) الذين دعوا إلى النسبية.
وجاء سقراط فحوّل الفلسفة إلى الإنسان والأخلاق، ثم:
- أفلاطون (نظرية المثل)
- أرسطو (تنظيم العلوم)
ثم ظهرت مدارس:
- الأبيقورية
- الرواقية
- الشكاك
وانتقلت الفلسفة إلى:
- مدرسة الإسكندرية
- الفلسفة المسيحية
- الفلسفة الإسلامية (الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن رشد)
ثم إلى أوروبا في:
- العصور الوسطى (توما الأكويني)
- عصر النهضة
- العصر الحديث (ديكارت، بيكون)
- العصر الحديث المتأخر (لوك، روسو، كانت...)
- العصر المعاصر (ماركس، ديوي...)
رابعًا: سمات الفلسفة
تتميز الفلسفة بأنها:
- علم الكل والمبادئ الأولى
- تبحث في الأمور غير المحسوسة
- تعتمد على العقل
ولها وظائف:
- ثقافية
- اجتماعية
- علمية
- نقدية تحليلية
وتهدف إلى:
- فهم الوجود
- دراسة المعرفة
- تحليل القيم
أما أداتها الأساسية فهي:
المنطق
وتنمي لدى دارسيها:
- التفكير النقدي
- التحليل
- الحكم
- الابتعاد عن التعصب
ومن أبرز خصائصها:
- التأمل
- الشمول
- الاتساق
- الشك المنهجي
- التحليل والتركيب
- النقد
وخلاصة القول: يمثل هذا الفصل مدخلًا تأسيسيًا لفهم الفلسفة بوصفها إطارًا فكريًا حاكمًا للعملية التربوية؛ إذ ينتقل من التعريف المفاهيمي إلى الامتداد التاريخي ثم السمات المنهجية، مما يؤسس لبناء رؤية تحليلية عميقة للعلاقة بين الفلسفة والتربية في الفصول اللاحقة. كما يُبرز الدور المركزي للعقل والمنطق في تشكيل المعرفة، وهو ما يشكل قاعدة أساسية لتفسير الاتجاهات التربوية الحديثة والمعاصرة.
المرجع:
ناصر، إبراهيم بن عبد الله. (2004). فلسفات التربية. دار وائل للنشر.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!