التحول نحو جامعات خضراء داعمة للتنمية المستدامة
أ.د/ فاطمة عبدالمنعم معوض
أستاذ الإدارة التعليمية
يعد مفهوم التنمية المستدامة Sustainable Development من أبرز المفاهيم الحديثة التي ظهرت استجابةً للتحديات البيئية المتزايدة، وتمثل إطار شامل يوازن بين متطلبات الحاضر واحتياجات الأجيال القادمة. وقد تزامن ظهور هذا التوجه التنموي مع التقدم العلمي والتكنولوجيا الخضراء، إلى جانب الثورة الرقمية وثورة الاتصالات والعولمة ونواتجها، التي ساعدت على تطوير إنتاج أساليب صديقة للبيئة وحلول مبتكرة للمشكلات البيئية، وتشكيل مجتمع أكثر وعيًا بمسؤولياته تجاه البيئة. ويستند هذا المفهوم على ثلاثة أبعاد رئيسة البعد البيئي والاجتماعي والاقتصادي، بهدف تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على موارد البيئة والعدالة الاجتماعية، وهو ما يجعل مفهوم التنمية المستدامة ركيزة أساسية في بناء الخطط والاستراتيجيات على كافة القطاعات المختلفة ومنها المؤسسات الجامعية.
ويتعين على الجامعات المعاصرة الاستجابة بفاعلية للتحديات البيئية المتزايدة من خلال تبني نهج شامل للاستدامة، يشمل مختلف أبعاد العمل الاكاديمي والإداري والمجتمعي، ويقتضي دمج مبادئ الاستدامة في العمليات الإدارية، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد وتقليل الأثر البيئي، وتضمين الفكر الأخضر وقضايا البيئة والتنمية في المناهج الدراسية والبرامج الأكاديمية، بهدف تنمية وعي أعضاء المجتمع الجامعي وإكسابهم المعارف والمهارات اللازمة للتعامل مع هذه القضايا، إضافة إلى تبنى الجامعات سياسات تشجع على البحث العلمي الموجه نحو إيجاد حلول عملية للمشكلات البيئية، مع تعزيز الممارسات الخضراء في إطار المشاركة المجتمعية، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة على المستويين المحلي والعالمي.
ويحظى موضوع الجامعة الخضراءUniversity Green باهتمام واسع النطاق بين صناع القرار الجامعي والمختصين، ويركز على استثمار الموارد والأنشطة والبنية التحتية بما يسمح بالحفاظ على النظام البيئي وتحسين كفاءة الموارد، ويؤثر هذا على بنية الوظائف واستحداث وظائف خضراء أو ما يسمى وظائف الياقات الخضراء وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والمتعلقة بالبحث والتطوير والأنشطة الإدارية والخدمية. وفي إطار السعي لتحقيق ذلك، تشارك الجامعات بتوفير التعليم المرتكز على أهداف التنمية المستدامة، وتزويد المتعلمين بالمعارف والمهارات والقيم والاتجاهات اللازمة للتعامل مع أنماط سلوكية مستدامة لتحقيق مجتمع يتمتع بالصحة الإنتاجية والجودة البيئية.
وتعد الجامعة الخضراء مؤسسة أكاديمية تقوم أدوارها على تحويل المعرفة النظرية والأفكار الخضراء إلى ممارسات وتطبيقات عملية، وتعتمد سياسات صديقة للبيئة، وتمثل دورًا هامًا في بناء جيل واعٍ بقضايا الاستدامة وقادر على قيادة التغيير، من خلال إدماج مفاهيم البيئة والممارسات الخضراء في مناهجها وأنشطتها الجامعية، ونشر الوعي المجتمعي عبر المبادرات الطلابية والبرامج التطوعية، وتشجيع البحث العلمي الموجه لحل المشكلات البيئية والاجتماعية، وتبني شراكات مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص لمناقشة المشكلات البيئية وطرق معالجتها، ومواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل الأخضر.
ونظرًا للتحولات الجذرية في بنية الوظائف والتغيرات المتسارعة في متطلبات سوق العمل، برزت الحاجة الملحة إلى كوادر قيادية تمتلك المهارات الخضراء والمعرفة البيئية اللازمة لدعم التحول نحو التنمية المستدامة، فإن الكثير من مؤسسات العمل والإنتاج المعاصرة تتطلب مثل هذه المهارات، وهذا ما يستوجب من الجامعات تضمين خططها وأنشطتها وبرامجها التعليم الأخضر والقيم البيئية والمهارات المستدامة كخيار استراتيجي، الأمر الذي ينعكس في قدرتها على تزويد سوق العمل بخريجين مؤهلين للوظائف الخضراء. ومن هنا تبدو أهمية مبادرة الوظائف الخضراء القائمة على شراكة أُسست عام ٢٠٠٧ بين منظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والاتحاد الدولي لنقابات العمال، وتفضي المبادرة إلى اقتصاد أخضر وتعزيز فرص العمل الخضراء، وتحويل المهارات وأساليب العمل إلى ممارسات صديقة للبيئة.
وأكدت الجامعات العالمية على أهمية الجامعة الخضراء في تحقيق التنمية المستدامة، ودورها في إعداد أفراد ذوي تفكير نقدي يشعرون بمسؤولية الحفاظ على الموارد، وإعادة تأهيلهم وتنمية مهاراتهم للانتقال نحو الوظائف الخضراء والاستدامة البيئية، وتوفير أنظمة ضمان الجودة لتقييم مدى تحقيق الجامعات لأهداف التنمية المستدامة، وتوفير قيادة فاعلة للتحول إلى جامعة خضراء، والإفصاح البيئي من خلال نشر التقارير والبيانات الرسمية المرتبطة بالمبادرات والمشاريع الخضراء. وتعتبر جامعة ولاية أريزونا Arizona State University من أوائل الجامعات الأمريكية التي أسست نهجًا مؤسسيًا نحو الاستدامة، وتعمل الجامعة على التوسع في التعليم البيئي، وتعتمد منظومة واسعة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في المبنى الجامعي وبرامج إعادة التدوير وغيرها من الممارسات الخضراء، كما تبنت الجامعة شراكات بحثية بين القطاعين العام والخاص لتطوير حلول عملية للمشكلات البيئية. وعن تجربة جامعة ستانفورد Stanford University حول أفضل حرم جامعي خضراء والتي تم تقييمها من خلال نظام تتبع وتقييم الاستدامة ((STARS، قد اهتمت الجامعة بتحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، من خلال تطوير وبناء الحرم الجامعي الأخضر وتحديد آليات تحقيق أهداف التنمية المستدامة بشكل مباشر.
وقد أجرت معظم الوكالات الأوروبية تقييمًا لقدرة الجامعات على تزويد طلابها بالمعرفة والمهارات المرتبطة بالعمل والأنشطة الخضراء ذات العلاقة بالتنمية المستدامة، حيث تنشر الجامعات الرائدة تقارير سنوية حول تحقيقها لأهداف التنمية المستدامة، وفي ذات السياق تمكنت جامعة فلورنسا بإيطاليا Florence University من التحول إلى جامعة خضراء من خلال تعزيز الاستدامة البيئية والاجتماعية ودمج الاستدامة في جميع جوانب عملها، ووضعت الجامعة استراتيجيات واضحة ومبادرات هيكلية لتنفيذ ممارسات مستدامة مع دعم قوي من الإدارة العليا، وإجراء التغييرات في الهياكل الجامعية، وعمليات الحرم الجامعي التي تشمل المشاريع الرئيسة المتعلقة بالمباني الخضراء وإدارة النفايات والنقل وغيرها، وتضمين الاستدامة في المناهج والمقررات الدراسية.
وجدير بالذكر أن العديد من الجامعات العربية قد حققت تقدمًا ملحوظًا في تبني مفاهيم الاستدامة والجامعة الخضراء عبر مبادرات متنوعة تشمل تطوير المناهج الأكاديمية، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ودمج التوجه الأخضر والقيم البيئية في الأنشطة المجتمعية. وما تزال التحديات كبيرة خاصة في مجالات تطوير البنية التحتية الخضراء، وبناء القدرات البشرية والتكنولوجية اللازمة للتحول نحو جامعة خضراء مستدامة، وتجاوز بعض الجامعات مرحلة الضعف الأخضر إلى القوة التنظيمية الخضراء من خلال تبني مداخل وأنماط قيادية ملائمة وثقافة تنظيمية داعمة للتوجه الأخضر، وتضمين الممارسات الخضراء ومفاهيم الاستدامة في البيئة التعليمية، وتفعيل الاستثمار في البحث العلمي والابتكار البيئي، وتوسيع الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، والوصول إلى تصنيفات عالمية مرتفعة في المقياس الأخضر وأهداف التنمية المستدامة، بما يحقق أثر مستدام على المستويات الأكاديمية والبحثية والتنموية.
انتهى
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!