من المعلم المتلقي إلى المعلم الباحث: تحولات بحوث الأداء في ضوء البحوث الإجرائية التشاركية
كتبه. د/ عبدالعزيز عوض العتيبي
يشهد دور المعلّم تحوّلًا جوهريًا من كونه منفّذًا لنتائج البحوث إلى شريك فاعل في إنتاجها من خلال البحوث الإجرائية التشاركية. فقد كشفت الاتجاهات الحديثة في التطوير المهني أهمية التأمّل وبناء المعرفة في تحسين الممارسة التعليمية. ويأتي هذا المقال ليرصد الفارق بين النظرة التقليدية والحديثة للمعلم في بحوث الأداء، وأثر ذلك في التنمية المهنية المستدامة.
النظرة القديمة والحديثة حول المعلم في بحوث الأداء (البحوث الإجرائية التشاركية):
تؤكد اتجاهات التطوير المهني الحديثة أهمية الاستراتيجيات القائمة على بناء المعرفة والتأمل والتفكّر. وتُعدّ البحوث الإجرائية التشاركية وعاءً مهنيًا فاعلًا يربط بين التأمل والممارسة والبحث.
ويشير بورج وجال إلى اتساع الفجوة بين الباحثين والممارسين في الميدان التربوي، حيث لا تصل نتائج البحوث غالبًا إلى المعلمين. وهنا تبرز البحوث الإجرائية كمدخل حديث للتنمية المهنية المستدامة. كما ترسّخ هذه البحوث مفهوم المعلم الباحث والمنتج للمعرفة.
ويستند البحث الإجرائي إلى مجموعة من المسلمات، أوردها عدس وآخرون (2005م) على النحو الآتي:
أن كل معلم يعمل يواجه في مجال عمله عددًا من المشكلات والعوائق التي تقلل من فاعلية أدائه وتقلل من إنتاجه، ولهذا تتأكد أهمية اكتساب مهارة البحث الإجرائي.
أن الشخص المؤهّل لحل مثل هذه المشكلات هو المعلم الذي يوجهها، فهو بحكم عمله وصلته المباشرة بمشكلاته أكثر قدرة على إدراك مشكلاته وإيجاد حلول لها.
وقد أشارت رشيدة طاهر (2010م) إلى وجهة النظر القديمة والحديثة حول المعلم في بحوث الأداء، والشكل أدناه يوضح ذلك على النحو الآتي:
إذ تشير الحالة الأولى إلى وجهة النظر القديمة التي تركّز على أن الباحثين التربويين يقومون بإجراء البحوث واستنتاج نظريات منها، ويتم تطبيقها في المدارس في صورة ممارسة (التدريس)، فالمعلم هنا متلق لنتائج البحث.
وتشير الحالة الثانية إلى النظرة الحديثة، حيث يُنظَر إلى المعلمين على أنهم ممارسون للتدريس، ومن خلال تلك الممارسة تواجههم مشكلات، يسعون إلى البحث عن حلول لها، مما يقودهم إلى التوصل إلى مبادئ وأفكار ومعتقدات (نظريات)، فالمعلم هنا ممارس للبحث، ومشارك في إجرائه ومنتج للمعرفة.
وبيّنت سماح الأشقر (2016م) أن البحوث الإجرائية وإن كانت مهمة لمعلمي المواد الدراسية المختلفة؛ فإنها أكثر أهمية لمعلمي العلوم؛ نظرًا لما يشمله ميدان تعليم وتعلم العلوم من مشكلات متنوعة، وذلك في الوقت الذي ينادي فيه التربويون بضرورة تدريب معلمي العلوم في أثناء الخدمة؛ للقيام بأدوارهم الجديدة، ومن هذه الأدوار دور المعلم الباحث، الذي يبحث في كل ما من شأنه تطوير ممارساته المهنية، والرفع من كفاءة طلابه. وتتفق مع ما ذكرته سعاد الفهيد (2021م) في أن متابعة التكوين البحثي في أثناء الخدمة للمعلم الباحث، يكون عن طريق عقد الدورات التدريبية، وتشجيع المعلمين على ممارسة بحوث الأداء في أثناء خدمتهم.
ويتطلب القيام بالبحوث الإجرائية مجموعة من المهارات، التي تُعين الباحث (المعلم) على السير وفق منهجية محددة، وخطوات متسلسلة، وهناك العديد من النماذج التي توضِّح مهارات البحث الإجرائي، وتعرض طريقة الباحث للقيام بإجراءات البحث، وإن اختلفت تلك النماذج، إلا أنها تؤكّد على مجموعة من المهارات كمهارة تحديد المشكلة، وصوغ الأسئلة، والملاحظة، وفرض الفرضيات، والتخطيط، وجمع البيانات، والتحليل، والتأمّل، وكتابة التقرير، ولعل اختلاف نماذج البحوث الإجرائية يرجع إلى طبيعة البحث الإجرائي الذي يتصف بالمرونة؛ فيمكن للباحث أن يعدِّل في إجراءاته في أثناء عملية البحث أو في حالة وجود ظروف طارئة تستدعي التعديل.
ومن أبرز تلك النماذج ما أشارت إليه مريم الشهري وأخريات (2022م)، والقاعود وبخيت (2012م)، ومكنيف (1995م/2001م)، موضحــة في الجدول الآتي، من حيث شكل النموذج وعدد الخطوات، على النحو الآتي:
نماذج البحوث الإجرائية التشاركية
|
م |
اسم النموذج |
المطور |
شكل النموذج |
عدد الخطوات |
|
1 |
نموذج كيرت لوين |
كيرت لوين |
سلسلة حلزونية |
6 |
|
2 |
نموذج جيــن مكنيــف |
جين مكنيف |
دائري |
6 |
|
3 |
نموذج جامعــة جونز هوبكنز |
جامعــة جونز هوبكنز |
دائري |
5 |
نموذج كيرت لوين: أشهر النماذج، ويعد لوين أول من أطلق البحث الإجرائي، ويتضمن سلسلة حلزونية من الحلقات، كما هو موضح في الشكل الآتي:
سير خطوات نموذج كيرت لوين
نلحظ في الشكل أعلاه أن كل حلقة من حلقات النموذج، تتطلب مهارة بحثية، تعتمد على الفعل التأمّلي للباحث، كما يظهر النموذج المرونة التي تُعدّ من أبرز خصائص البحوث الإجرائية، وتشير جيـــن منكيــف (2001م) إلى أن فكرة هذا النموذج شكّلت أساسًا لمعظم النماذج في الأدبيات.
نموذج جيــن مكنيــف: وهو عبارة عن مجموعة من الخطوات المترابطة منطقيًا، تبدأ بعملية الملاحظة، يليها التأمل، ثم القيام بفعل أو إجراء معين، ثم التقويم، وفي ضوء نتائجه يتم التعديل، والذي يستلزم من المعلم التحرك باتجاه جديد؛ بغية تحسين ممارساته، كما في الشكل الآتي:
سير خطوات نموذج جين مكنيف
ويظهر من الشكل السابق تأثّر نمــوذج جين مكنيف بنموذج لوين السابق، ويتشابه النموذجان في مرحلة التعديل، وهي التي تؤكّد على مرونة إجراءات البحث، والتغيير نحو الأفضل في الممارسة.
نموذج جامعــة جونز هوبكنز: وهو نموذج خماسي تابع لمركز تكنولوجيا التعليم، خماسي الخطوات، يشكل دائرة تمثّل دورة كاملة، موضح في الشكل الآتي:
سير خطوات نموذج جامعــة جونز هوبكنز
والمتأمل في النموذج الخماسي شكل أعلاه يلحظ أن التفكير جاء في مركز الدائرة، وأنّ عملية التفكير تتم قبل وأثناء وبعد كل خطوة، فهي تقدّم تغذية راجعة للمعلم الباحث في إجراءات بحثه، كما يتيح شكل الدورة مزيدًا من التأمل للباحث.
النموذج المقترح لمهارات البحث الإجرائي التشاركي:
تشير الأدبيات التربوية ذات العلاقة بالبحوث الإجرائية إلى العديد من النماذج التي تتضمن بداخلها مجمــوعة من مهارات البحث الإجرائي، كنموذج كيرت لوين، ونمـــوذج جيــن مكنيــف، ونموذج جامعــة جونز هوبكنز، وهو النموذج الذي يتمحور حول التفكير، وبالاستفادة من النماذج السابقة، وبالتحديد النموذج الخماسي لجامعــة جونز هوبكنز، يمكن تطوير نموذج يتكون من مهارات البحث الإجرائية التشاركية تتمركّز فيه "عمليات التفكير" في التأمّلات في الممارسات التدريسية، والكفاءة الذاتية المهنية لمعلم العلوم، كما في الشكل أدناه، كالآتي:
سير خطوات النموذج المقترح لمهارات البحث الإجرائي التشاركي
يتصف النموذج المقترح في الشكل أعلاه بأهم خصائص البحث الإجرائي بوصفه دوريًا؛ أي: أنه على شكل دورة، يتم فيها الإجراء والتأمل الناقد، إضافة إلى أنه تشاركي، بمعنى أن هذا العمل يمكن أن ينجزه معلم واحد، لكن عادة ما ينجزه بتعاون مع زملائه ومشاركة المتعلمين. كما تتأكّد في النموذج المقترح خاصية (الواقعية)؛ لكونه يركّز على مشكلات عملية تواجه المعلمين، وربما تفرض عليهم مشكلات من واقع الممارسة التدريسية اليومية داخل الصفوف، وتتمثّل عمليات التفكير داخل النموذج في رفع الكفاءة الذاتية المهنية للمعلمين، وذلك من خلال التركيز على الوعي الذاتي للمعلم بالمشكلات التي تواجهه والتأمل فيها، وكذلك الوعي بالآخرين (المتعلمين) والتأمّل في الممارسة، وثقة المعلم بقدراته وإمكاناته في التغلُّب على تلك المشكلات.
وفي ضوء ما سبق، يتبيّن أن التحوّل من النظرة التقليدية للمعلم بوصفه متلقيًا للمعرفة إلى النظرة الحديثة التي تراه باحثًا ومشاركًا في إنتاجها لم يعد خيارًا تربويًا، بل ضرورة تفرضها متغيرات العصر وتحديات الميدان التعليمي. فقد أثبتت البحوث الإجرائية التشاركية فاعليتها بوصفها مدخلًا عمليًا للتنمية المهنية المستدامة، يربط بين النظرية والتطبيق، ويؤسس لثقافة التأمل والتفكير الناقد داخل الصف وخارجه. كما أن النماذج المتنوعة للبحث الإجرائي – كـنموذج كيرت لوين، وجين مكنيف، وجامعة جونز هوبكنز – تؤكد أن جوهر هذا المدخل يقوم على الدورية، والمرونة، والتشاركية، والواقعية، بما ينسجم مع طبيعة العمل التعليمي ومشكلاته المتجددة. ويكتسب هذا التوجّه أهمية خاصة لمعلمي العلوم لما يواجهه هذا التخصص من تحديات معرفية ومهارية متسارعة. وعليه، فإن دعم المعلم بالمهارات البحثية، وتوفير بيئات تدريبية محفّزة، وتشجيعه على ممارسة بحوث الأداء في أثناء الخدمة، يمثل استثمارًا حقيقيًا في جودة التعليم ومخرجاته. إن ترسيخ ثقافة “المعلم الباحث” هو حجر الزاوية في بناء مدرسة متعلّمة، قادرة على التطوير الذاتي، ومواكبة متطلبات المستقبل التربوي بكفاءة واقتدار.
المراجع:
الأشقر، سماح فاروق. (2016م). برنامج تدريبي مقترح لتنمية الوعي بالبحوث الإجرائية وخفض القلق التدريسي لدى معلمي العلوم حديثي الخبرة التدريسية. المجلة التربوية الدولية المتخصصة، 5(7)، 36-73.
بخيت، محمد سلامة؛ والقاعود، إبراهيم عبدالقادر. (2012م). أثر برنامج تدريبي مقترح لتنمية مهارات البحث الإجرائي لدى معلمي الدراسات الاجتماعية. مجلة جامعة الملك سعود للعلوم التربوية والدراسات الإسلامية، 24(4)، 1487-1518.
الشهري، مريم محمد؛ العريدي، منيرة إبراهيم؛ والشهري، فاطمة محمد. (2022م). كيف تعد بحثًا إجرائيًا في الميدان التربوي. جدة: دار ريادة للنشر والتوزيع.
طاهر، رشيدة السيد. (2010م). التنمية المهنية للمعلمين في ضوء الاتجاهات العالمية. الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة.
عدس، عبد الرحمن؛ عبيدات، ذوقان؛ وعبد الحق، كايد. (2005م). البحث العلمي: مفهومه/ أدواته/ أساليبه. عمان: دار أسامة للنشر والتوزيع.
الفهيد، سعاد عبد الرحمن. (2021م). المعلم الباحث. جدة: تكوين للطباعة والنشر والتوزيع.
مكنيف، جين. (2001م). البحث الإجرائي من أجل التطوير المهني. نادر وهبه. (ترجمة). فلسطين: مركز القطان للبحث والتطوير التربوي. (نشر العمل الأصلي 1995).
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!