المرونة: ركيزة الابداع والتميز لحياة ذات معنى ( الجزء الأول )
كتبه. أ. د/ أحمد علي المعمري
في عالم يتسم بالتسارع غير المسبوق في التحولات والتغيرات والتعقيدات المتزايدة والتي تجعل التحديات أكثر مما سبق، فالمرونة لم تعد مجرد صفة شخصية أوعقلية مستحسنة أو مهارة اختيارية، بل غدت ضرورة وجودية وفلسفة حياة تساهم في جودة حياتنا ومدى نجاحنا في تحقيق التوازن بين الثبات على القيم والتكيف مع المتغيرات.
المرونة ليست استسلاماً للواقع ولا تنازلاً عن المبادئ، بقدر ما هي قدرة واعية على إعادة صياغة الاستجابات دون فقدان الموجه الداخلي (البوصلة الداخلية ) .
إنها الفن الذي يمكّننا من الانحناء أمام العاصفة دون أن ننكسر، والحكمة التي تتيح لنا تحويل الأزمات إلى فرص للنمو. من هذا المنطلق، يتناول هذا المقال المرونة كبناء متعدد الأبعاد يستند إلى أدلة علمية رصينة، ويقدم رؤية تكاملية تجمع بين العمق النظري والفائدة التطبيقية.
الإطار المفاهيمي والنظري، تطور المفهوم والمسارات
لفهم المرونة فهماً عميقاً، يجب التمييز بين مسارين بحثيين متوازيين التقيا لاحقاً ليشكلا رؤيتنا المعاصرة:
أولاً: المرونة المعرفية (Cognitive Flexibility) - بدأت دراستها في خمسينيات القرن العشرين على يد جوي بول جيلفورد (Guilford, 1950) الذي دعا في المونفستو الرئاسي الشهير أمام الجمعية الأمريكية لعلم النفس APA كونه كان رئيسا لها ، والذي دعي فيه إلى دراسة علمية منهجية للإبداع، ثم طور عام 1967 نموذج بنية العقل الذي حدد المرونة كأحد المكونات الجوهرية للتفكير التباعدي. لكن إليس بول تورانس في العام 1966 كان قد طور (Torrance) اختباراته الشهيرة للتفكير الإبداعي ،Torrance Tests of Creative Thinking
(TTCT) التي جعلت من المرونة أحد الأبعاد الأربعة القابلة للقياس إلى جانب الطلاقة والأصالة والتفاصيل . ومن التعريفات الشهيرة للمرونة المعرفية مؤخرا هو القدرة على التبديل بين حالات ذهنية مختلفة والتكيف مع المتطلبات الموقفية المتغيرة (Miyake et al., 2000)، وتُعتبر إحدى الوظائف التنفيذية الأساسية للدماغ إلى جانب الذاكرة العاملة والكف المعرفي.
ثانياً: المرونة النفسية (Psychological Resilience) - ظهرت كمجال بحثي مستقل في السبعينيات، مع التركيز على فهم كيف ينمو بعض الأطفال بشكل إيجابي رغم تعرضهم لظروف محفوفة بالمخاطر. تُعرّف المرونة النفسية بأنها “عملية ديناميكية تشمل التكيف الإيجابي في سياق الشدائد الكبرى” (Luthar et al., 2000)، و"دور العمليات العقلية والسلوكية في تعزيز الأصول الشخصية وحماية الفرد من الآثار السلبية المحتملة للضغوط" (Fletcher & Sarkar, 2013). مرت بحوث المرونة النفسية بأربع موجات: الأولى (1970-1990) ركزت على “ما هي المرونة؟”، والثانية (1990-2010) على “كيف تعمل؟، والثالثة (2010-2018) على (كيف نعززها)؟ أما الرابعة (2018-الحاضر) فتدمج الأسس العصبية-البيولوجية مع العوامل النفسية والاجتماعية في نهج متعدد الأبعاد والمستويات (Vella & Pai, 2019)..
التقاء المسارين: في العقدين الأخيرين، أدرك الباحثون أن المرونة المعرفية تُعد عاملاً وقائياً أساسياً في المرونة النفسية، وأن المرونة النفسية توفر السياق الانفعالي والدافعية الذي يُمكّن من التفكير الإبداعي المرن، وأن كليهما يشتركان في آليات عصبية مشتركة خاصة في القشرة الجبهية الأمامية.
الأبعاد المتعددة للمرونة: تصنيف تكاملي
تتجلى المرونة في خمسة أبعاد متداخلة ومتكاملة:
1- المرونة النفسية: القدرة على الصمود أمام الأزمات واستعادة التوازن الروحي والنفسي. أظهرت دراسة Bajaj & Pande (2016) وكانت العينة (327)، طالباً جامعياً توسطت المرونة النفسية العلاقة بين اليقظة الذهنية والرضا عن الحياة، مما يعني أن الأفراد الأكثر مرونة يستطيعون تحويل الوعي الحاضر إلى رفاهية حياتية ملموسة.
من الناحية العصبية، تُعزى المرونة النفسية إلى قوة الاتصالات بين القشرة الجبهية الأمامية واللوزة الدماغية، مما يعزز التوازن الانفعالي ويمنع الاستغراق في الأفكار السلبية.
2- المرونة المعرفية: هي القدرة على التبديل بين الأنماط الذهنية والانفتاح على أفكار جديدة. تعمل عبر ثلاث آليات: تخفيض تكلفة التحويل المهمي (task-switching cost)، توسيع مساحة البحث المفاهيمي، وتقليل التحيزات العليا التي تقيد التفكير الإبداعي، وهناك من من يعرفها بانها الانتقال الذهني من حالة ذهنية الى أخرى بيسر وسهولة وهنا نشير الى أن دراسة Xia et al. (2022) أظهرت أن المرونة المعرفية توسطت بنسبة 45.7% العلاقة بين الثنائية اللغوية والتفكير التباعدي Divergent thinking، مما يؤكد دورها المحوري في التفكير الإبداعي والابداع.
3- المرونة الاجتماعية: التكيف / التوافق مع البيئات، والعلاقات الإنسانية / الاجتماعية المتغيرة مع الحفاظ على العلاقات الإيجابية. الدعم الاجتماعي يُعد من أقوى العوامل الوقائية التي تعزز المرونة عبر توفير موارد عاطفية ومعلوماتية وأدواتيه (Fletcher & Sarkar, 2013).
4 - المرونة الشخصية: القدرة على مواجهة ضغوط الدراسة والعمل والحياة الأسرية دون فقدان الأمل أو الانهيار. تشمل مهارات إدارة الضغوط، التنظيم الذاتي، والثقة بالقدرة على التجاوز
5- المرونة القيمية: الحفاظ على المبادئ الأساسية مع القدرة على التكيف / التوافق مع متطلبات الواقع. الأبحاث تشير إلى أن التفكير المنتظم حول القيم الأخلاقية والعيش وفقها يرتبط بمستويات أعلى من المرونة، حيث توفر القيم بوصلة داخلية توجه السلوك في أوقات الأزمات. هذا البعد يجد أصوله في تيار العلاج بالمعنى (Logotherapy) لفيكتور فرانكل الذي أكد أن وجود هدف ومعنى في الحياة يُمثل أقوى دوافع الصمود والمثابرة في أحلك الظروف، (تيار العلاج بالمعنى يستحق الكتابة عنه عمقا وتقنية وعلاجا، ليس هذا فحسب بل ثقافة وتجارب شخصية وحياتية، فتجربة فرانكل في المعتقل تجربة تستحق ان تروى بطرق علمية وثقافية وفكرية وأسلوبية).
يتبع الجزء الثاني ،،،
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!