طلب مستشار أو مدرب تسجيل حساب شركة أو هيئة تسجيل حساب خبير جديد تسجيل حساب مستفيد جديد تسجيل الدخول
طلب استشارة جديد

الإيجابية كمهارة معرفية – الأسس العلمية لبناء الوعي والازدهار المستدام (2)

الإيجابية كمهارة معرفية

الأسس العلمية لبناء الوعي والازدهار المستدام (2)

كتبه:
أ. د/ أحمد علي المعمري

(الناس لا يضطربون من الأحداث، بل من تفسيرهم لتلك الأحداث)
البورت اليس


قبل البدء

بحثًا عن متعة المعرفة والفائدة الجمعية، ناهيك عن المسؤولية الاجتماعية، ومن منظور (العلم للتغيير وليس للتفسير)، أعمل في الكتابة عن الإيجابيات كعلاج ذاتي ومدارسات قد تكون نافعة. وقد تراكم لدي عدة صفحات لعلني أنشرها هنا تباعًا، ثم أقوم بتحويلها إلى كتاب بوريقات قليلة أو كتيب ورقي وإلكتروني. وأطمح أن يصبح للمرصد سلسلة كتب ومطبوعات، ولعل نتاجي المتواضع هذا يكون ضمن السلسلة أو باكورتها، ومن الله العون والسداد.

تتناول هذه الحلقة، وهي الثانية في السلسلة، الأسس المعرفية التي تنظر للإيجابية كمهارة قابلة للتعلم والتطوير، وليست حالة انفعالية عابرة أو سمة ثابتة لا فكاك منها ويولد الإنسان مزودًا بها. فوفق الاتجاهات الحديثة في علم النفس المعرفي، والتيار الجديد في علم النفس، أعني تيار علم النفس الإيجابي، فالإيجابية في جوهرها تتشكل من طرق الإنسان في تفسير الأحداث، وتنظيم الأفكار، وتوجيه الانتباه.

وفهم هذه العمليات يعد خطوة محورية لكل من يسعى إلى رفاهية مستدامة، سواء كان طالبًا أو معلمًا أو مهندسًا أو طبيبًا أو رائد أعمال أو شخصًا يواجه ضغوطًا حياتية.


الإيجابية كعملية معرفية منظمة

تشير الأدبيات العلمية إلى أن الإيجابية تنشأ من ثلاث عمليات معرفية مترابطة:

- توجيه الانتباه نحو الجوانب القابلة للتحسين بدلًا من الانغماس في مصادر الإحباط.

- التفسير الواقعي للأحداث عبر تجنب التهويل، وفهم السياق، والبحث عن الدروس الممكنة.

- التوقع البنّاء الذي يجمع بين التفاؤل والواقعية، ويعزز القدرة على اتخاذ القرار.

هذه العمليات لا تلغي المشاعر السلبية، لكنها تمنعها من السيطرة على التفكير والسلوك، وتساعد الفرد على التعامل مع الضغوط بفاعلية أكبر.
(أشرنا إلى ذلك في الجزء الأول من السلسلة، وسنشير مرارًا لذلك كي لا يكون هناك لبس في أن الإيجابية ليست أكثر من أحلام وردية، وما عليك إلا أن تغمض عينيك ويتحقق لك ما تريد طالما كنت إيجابيًا بمفهوم سطحي يومي عابر).


الوعي الذاتي: الأساس الذي تُبنى عليه الإيجابية

يمثل الوعي الذاتي نقطة البداية لأي تغيير معرفي، فالفرد لا يستطيع تعديل أفكاره ما لم يكن قادرًا على ملاحظتها وواعيًا لها. ويشمل الوعي الذاتي:

- التعرف على الأفكار التلقائية

- فهم المحفزات الانفعالية

- ملاحظة ردود الفعل دون اندماج كامل معها

- تقييم الأفكار قبل تحويلها إلى سلوك

هذه المهارة تمنح الإنسان قدرة أكبر على ضبط انفعالاته، واتخاذ قرارات متزنة، وبناء علاقات صحية في العمل والأسرة والمجتمع.


الإيجابية كمهارة تعليمية قابلة للتدريب

تؤكد الأدلة النفسية والتربوية أن الإيجابية يمكن تعليمها وتطويرها مثل مهارات التفكير الناقد أو حل المشكلات. وأهم مكوناتها:

- إعادة التقييم المعرفي: تحويل الفكرة السلبية إلى تفسير أكثر واقعية.

- بناء لغة داخلية داعمة: استبدال النقد القاسي برسائل تشجيعية منضبطة.

- تنمية القدرة على رؤية البدائل: توسيع مساحة التفكير بدلًا من الاستسلام لخيارات محدودة.

- تنظيم الانفعالات: استخدام تقنيات التنفس، والتهدئة الذاتية، وتمارين الانتباه الواعي.

هذه المهارات مفيدة للمتعلم في دراسته، وللمعلم في صفه، وللمهندس والطبيب في بيئات الأعمال الضاغطة، ولرائد الأعمال في مواجهة عدم اليقين، ولأي شخص يسعى إلى استعادة توازنه النفسي.


الإيجابية والازدهار الإنساني

يرتبط التفكير الإيجابي ارتباطًا مباشرًا بالازدهار الإنساني، وهو حالة تجمع بين:

- الصحة النفسية المستقرة

- العلاقات ذات الجودة العالية

- الشعور بالمعنى والغاية

- القدرة على الإنجاز

- التكيف مع الضغوط

وتشير نتائج الدراسات إلى أن الأفراد الذين يطورون مهارات التفكير الإيجابي يحققون مستويات أعلى من الرضا، ويظهرون مرونة أكبر في مواجهة التحديات، ويستعيدون توازنهم بسرعة بعد الأزمات.


خاتمة

تطمح هذه الحلقة إلى وضع الأساس العلمي المستمد من أبحاث رواد علم النفس الإيجابي مثل مارتن سيلجمان، وجيمس جروس، وباربرا فريدريكسون، وكوري كيز. فالإيجابية ليست شعارًا ولا حالة مزاجية عابرة، بل مهارة معرفية وانفعالية يمكن تطويرها عبر الوعي والممارسة المنتظمة والتدريب المدروس.

وقد أثبتت عشرات الدراسات التجريبية أن التدخلات القائمة على علم النفس الإيجابي تُحسّن الرفاهية وتُقلل الاضطرابات النفسية عبر مختلف الفئات العمرية والثقافات.

وفي الأجزاء القادمة، سنعمل بعون الله وتوفيقه على المزاوجة أو الجمع بين الأطر والمنطلقات النظرية والتطبيقات بصورة أكثر عمقًا، ومن القضايا التي سنتناولها: المرونة النفسية، وإدارة الانفعالات، وبناء العلاقات، وصياغة المعنى، وتطوير العادات التي تدعم الرفاهية المستدامة، مع الاستمرار في الاستناد إلى الأدلة العلمية الموثوقة.

انتهى،،،

شارك المقالة:

هل تحتاج إلى استشارة متخصصة؟

احصل على استشارة احترافية من خبرائنا المعتمدين

التعليقات

2 تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

م
مسفر الغامدي
17/01/2026 22:40
جميل جدا الإيجابية في المنظور الإيماني ليست تجاهلًا للواقع ولا تفكيرًا ساذجًا، بل حسنُ ظنٍّ بالله، ووعيٌ في تفسير الأحداث، وعملٌ بالأسباب. وقد كان النبي ﷺ يعجبه الفأل الحسن؛ لما فيه من بثّ الأمل، وتقوية العزيمة، وطمأنينة القلب. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾. وفي المقابل، تُعد السلبية خطرًا معرفيًا ونفسيًا؛ إذ تُضخّم الإخفاقات، وتُضعف الدافعية، وتُقيد التفكير، وتُرهق الإنسان بالقلق واليأس. فالإيجابية الواعية ليست شعارًا، بل منهج تفكير يحمي النفس، ويُحسن القرار، ويدعم الازدهار الإنساني.
أ. د. أحمد علي المعمري الخبير
تعليق عميق أضفى عمقا اضافيا على المقالة شكرا سعادة الاخ الفاضل
17/01/2026 22:50
ن
ناصر الجلال
17/01/2026 12:00
مقال رصين يقدّم الإيجابية كمهارة معرفية قائمة على أسس علمية، بعيدًا عن الطرح السطحي. طرح متوازن يجمع بين العمق النظري والتطبيق العملي، ويُعد إضافة نوعية في مجال الوعي الذاتي وجودة الحياة. كل التقدير لعالمنا الجليل..