الموهبة والاقتصاد الوطني
كتبه. د/ صالح الجهني
لماذا أصبحت العقول أهم من الثروات؟
لفترات طويلة، كانت قوة الدول تُقاس بما تمتلكه من النفط، أو المعادن، أو الأراضي، أو الموارد الطبيعية.
لكن العالم تغيّر.
واليوم أصبحت أكثر الدول تأثيرًا ليست بالضرورة الأكثر امتلاكًا للموارد، بل الأكثر قدرة على إنتاج المعرفة، وتطوير التقنية، وتحويل الأفكار إلى قيمة اقتصادية.
لقد انتقلت المنافسة بين الدول من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد يعتمد على العقول.
ومن هنا لم تعد الموهبة قضية تربوية أو تعليمية فحسب، بل أصبحت قضية اقتصادية واستراتيجية تمس حاضر الدول ومستقبلها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كم عدد الموهوبين لدينا؟
بل أصبح:
كيف نحول مواهبنا إلى قوة اقتصادية تصنع المستقبل؟
الموهبة... الثروة التي لا تنضب
قد تنفد الموارد الطبيعية، وقد تتغير الأسواق، وقد تتراجع بعض الصناعات.
أما العقول المبدعة، فإن قيمتها تزداد كلما أُحسن استثمارها.
فالإنسان الموهوب لا ينتج فكرة واحدة فقط، بل يمتلك القدرة على إنتاج أفكار جديدة باستمرار، وتطوير حلول، وابتكار تقنيات، وإنشاء شركات، وقيادة قطاعات كاملة نحو النمو.
ولهذا فإن الاستثمار في الموهبة يختلف عن أي نوع آخر من الاستثمارات؛ لأنه استثمار يولّد استثمارات جديدة، ويخلق فرصًا جديدة، ويقود إلى اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.
الاقتصاد المعرفي يبدأ من الإنسان
يتحدث العالم اليوم كثيرًا عن الاقتصاد المعرفي، والاقتصاد الرقمي، والاقتصاد القائم على الابتكار.
لكن هذه المفاهيم جميعها تشترك في حقيقة واحدة:
أن الإنسان هو نقطة البداية.
فلا يمكن بناء اقتصاد معرفي دون باحثين.
ولا يمكن تطوير التقنية دون مبتكرين.
ولا يمكن خلق صناعات جديدة دون عقول تمتلك القدرة على التفكير المختلف.
ولهذا فإن الموهبة ليست قطاعًا مستقلًا داخل الدولة، بل هي الوقود الذي يغذي جميع القطاعات.
فالطبيب الموهوب يطور الرعاية الصحية.
والمهندس الموهوب يبتكر حلولًا للبنية التحتية.
والباحث الموهوب ينتج معرفة جديدة.
ورائد الأعمال الموهوب يحول الفكرة إلى شركة.
وبذلك تصبح الموهبة محركًا للاقتصاد، لا مجرد قصة نجاح فردية.
رؤية المملكة 2030... الإنسان أولًا
عندما أطلقت المملكة العربية السعودية رؤية 2030، كان من اللافت أن الإنسان كان حاضرًا في جميع محاورها.
فالرؤية لم تنظر إلى التنمية بوصفها مشروعات وبنية تحتية فقط، بل بوصفها استثمارًا في الإنسان، وتنمية لقدراته، وتمكينًا لإمكاناته.
ومن هنا جاءت برامج نوعية مثل برنامج تنمية القدرات البشرية، والتوسع في منظومة الابتكار والبحث والتطوير، ودعم ريادة الأعمال، وتعزيز دور الجامعات، وتمكين القطاع الخاص، وجميعها تصب في هدف واحد:
بناء اقتصاد يقوده الإنسان السعودي بعلمه وابتكاره وكفاءته.
وفي هذا السياق، تصبح رعاية الموهبة أحد أهم أدوات تحقيق الرؤية؛ لأنها تعني الاستثمار المبكر في العقول التي ستقود الاقتصاد الوطني خلال العقود القادمة.
الموهبة ليست تكلفة... بل أعلى عائد استثماري
أحيانًا يُنظر إلى برامج رعاية الموهوبين على أنها برامج ذات تكلفة مرتفعة.
لكن التجارب العالمية أثبتت أن العائد الاقتصادي من الاستثمار في الموهبة يفوق تكلفته بأضعاف.
فكل باحث يبتكر تقنية جديدة.
وكل مخترع يسجل براءة اختراع.
وكل رائد أعمال يؤسس شركة.
وكل عالم يقدم حلًا لمشكلة وطنية.
يمثل قيمة اقتصادية تتجاوز كثيرًا ما أُنفق على تنمية موهبته.
ولهذا فإن الدول المتقدمة لا تنظر إلى رعاية الموهوبين باعتبارها إنفاقًا، بل تعتبرها أحد أكثر الاستثمارات الوطنية ربحية على المدى الطويل.
من الإنجاز الفردي إلى الأثر الوطني
أحد الأخطاء الشائعة هو أن نقيس نجاح الموهوب بما يحققه على المستوى الشخصي فقط.
بينما القيمة الحقيقية للموهبة تظهر عندما تتحول إلى أثر يمتد إلى المجتمع والاقتصاد.
فالباحث الذي يطور علاجًا جديدًا لا يخدم نفسه فقط.
والمهندس الذي يبتكر تقنية تقلل استهلاك الطاقة لا يستفيد وحده.
ورائد الأعمال الذي يؤسس شركة تقنية يخلق وظائف، ويولد قيمة اقتصادية، ويزيد من تنافسية الوطن.
وهنا تتحول الموهبة من إنجاز فردي إلى مشروع تنموي يخدم المجتمع بأكمله.
لماذا تتنافس الدول على المواهب؟
لأنها تدرك أن المستقبل لن يُحسم بعدد المصانع، بل بعدد العقول القادرة على تطوير تلك المصانع.
ولن يُقاس بعدد الشركات فقط، بل بقدرتها على الابتكار.
ولهذا أصبحت كثير من الدول تضع سياسات وطنية لاكتشاف المواهب، ورعايتها، واستقطاب الكفاءات العالمية، لأنها تنظر إلى العقول بوصفها أهم أصولها الاستراتيجية.
وفي المقابل، فإن الدول التي لا تستثمر في مواهبها تخسر تدريجيًا قدرتها على المنافسة، حتى وإن امتلكت موارد كبيرة.
الاستثمار الذي لا يخسر
قد تحقق الاستثمارات المالية أرباحًا كبيرة، لكنها تظل مرتبطة بظروف السوق.
أما الاستثمار في الإنسان الموهوب، فإنه يبقى استثمارًا متجددًا؛ لأن المعرفة تتراكم، والخبرة تنمو، والأثر يتضاعف بمرور الوقت.
ولهذا فإن كل ريال يُستثمر في اكتشاف موهبة، أو تدريب باحث، أو دعم مبتكر، هو في الحقيقة استثمار في مستقبل الاقتصاد الوطني.
كلمة أخيرة
من وجهة نظري، فإن مستقبل الاقتصادات لن يُكتب في أسواق المال فقط، بل سيُكتب في المدارس، والجامعات، والمختبرات، ومراكز الابتكار، وكل مكان تُكتشف فيه موهبة، وتُمنح فرصة للنمو.
فالاقتصاد الوطني لا يبدأ من المصانع، بل من العقول التي ستبتكر ما يُصنع فيها.
ولا يبدأ من الموارد، بل من الإنسان القادر على تحويل تلك الموارد إلى قيمة.
ولهذا فإن الاستثمار في الموهبة ليس خيارًا تنمويًا، بل ضرورة استراتيجية لكل دولة تطمح إلى مستقبل أكثر تنافسية واستدامة.
فالثروة الحقيقية للأوطان ليست ما تستخرجه من باطن الأرض، بل ما تطلقه من طاقات الإنسان، وما تبنيه من عقول قادرة على صناعة الغد.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!