سلسلة: مدخل إلى التخطيط الاستراتيجي في المؤسسات التربوية: المفاهيم المرتبطة بالتخطيط الاستراتيجي وعلاقتها بالأداء المؤسسي
كتبه. د. /أمل محمد الخضير
لا يمكن فهم التخطيط الاستراتيجي بمعزل عن مجموعة من المفاهيم التي تشكل الإطار الأوسع للفكر الاستراتيجي داخل المؤسسات. فالأدبيات تشير إلى عدد من المفاهيم المرتبطة بالتخطيط الاستراتيجي، من أبرزها التفكير الاستراتيجي، والتوجه الاستراتيجي، والإدارة الاستراتيجية، والتكيف الاستراتيجي، والأداء الاستراتيجي. وتوضح هذه المفاهيم طبيعة العلاقة بين الرؤية المستقبلية للمؤسسة وآليات تنفيذها ونتائجها الفعلية.
أولا: التفكير الاستراتيجي
يعد التفكير الاستراتيجي نقطة البداية في بناء التوجهات المستقبلية للمؤسسات. وقد عرفه هلال (2008) بأنه طريقة ابتكارية للتفكير في الرؤية المستقبلية للقضايا المتوقعة، والتنبؤ بالفرص والتهديدات التي يمكن أن تواجه المنظمة، مع تصور السيناريوهات المناسبة للتعامل معها بما يضمن استمرارها ونموها. كما عرفه الجنابي (2017) بأنه عملية عقلية تركيبية تجمع بين التحليل المنظم وتوليد الأفكار الإبداعية بهدف تحديد توجه المنظمة طويل المدى نحو المستقبل. ويرى الكرخي (2014) أن التفكير الاستراتيجي يمثل محاولة لتوقع طبيعة الواقع المستقبلي للمنظمة والسعي إلى التأثير في متغيراته.
ومن خلال هذه التعريفات يتضح أن التفكير الاستراتيجي يمثل الإطار الذهني الذي تنطلق منه عملية التخطيط، حيث يركز على استشراف المستقبل وتوليد الأفكار التي يمكن أن توجه مسار المؤسسة في المدى البعيد.
ثانيا: التوجه الاستراتيجي
يشير التوجه الاستراتيجي إلى النهج الذي تتبناه المؤسسة في استجابتها للمتغيرات البيئية المحيطة بها. وقد عرفه المواضيه وأبو قاعود (2020) بأنه نهج إداري متكامل تتبناه المنظمة استجابة لعوامل البيئة الخارجية المتغيرة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. وينطلق التوجه الاستراتيجي عادة من نتائج التفكير الاستراتيجي، حيث يسهم في تحديد الاتجاه العام الذي تسير فيه المؤسسة، كما يرسم إطارا عاما للقرارات والسياسات التي تتخذها الإدارة في سبيل تحقيق أهدافها المستقبلية.
ومن هذا المنطلق يمثل التوجه الاستراتيجي الجسر الذي يربط بين التفكير الاستراتيجي بوصفه عملية ذهنية، والتخطيط الاستراتيجي بوصفه عملية تنظيمية تهدف إلى ترجمة هذا التفكير إلى خطط وبرامج قابلة للتنفيذ.
ثالثا: الإدارة الاستراتيجية
حظي مفهوم الإدارة الاستراتيجية باهتمام واسع في الأدبيات الإدارية المعاصرة، نظرا لدورها في توجيه المؤسسات نحو تحقيق أهدافها بعيدة المدى. وقد عرفها بطاح (2006) بأنها الإدارة التي تضع خططا طويلة المدى وتحدد الأساليب المناسبة لتنفيذها وتقويم نتائجها. كما أوضح التويجري (2013) أن الإدارة الاستراتيجية تمثل الطريقة التي تقوم من خلالها الإدارة العليا، بمشاركة أعضاء المؤسسة، بصياغة الاستراتيجيات وتنفيذها لتحقيق الاتجاه الذي اختارته المؤسسة لنفسها في المستقبل.
ويمكن النظر إلى الإدارة الاستراتيجية بوصفها عملية متكاملة تشمل تحليل البيئة الداخلية والخارجية، وصياغة الاستراتيجيات، وتنفيذها، ثم متابعة نتائجها وتقويمها، وهو ما يجعلها إطارا أوسع يضم التخطيط الاستراتيجي ضمن مراحله المختلفة.
رابعا: التكيف الاستراتيجي
يرتبط مفهوم التكيف الاستراتيجي بقدرة المؤسسة على الاستجابة للتغيرات التي تحدث في بيئتها. فقد عرف الغالبي وإدريس التكيف الاستراتيجي بأنه عملية استجابة المنظمة للتغيرات في البيئة الخارجية ووضعها الداخلي، مع تكييف أنشطتها وتصوراتها بما يتلاءم مع هذه التغيرات (صفوت والنعيمي، 2017). كما يرى التميمي والخشالي (2007) أن التكيف الاستراتيجي يتمثل في قدرة المنظمة على توقع المشكلات المستقبلية الداخلية والخارجية، والعمل على التعامل معها بفعالية.
ويشير ذلك إلى أن المؤسسات التي تعمل في بيئات متغيرة تحتاج إلى قدر كبير من المرونة في صياغة أهدافها واستراتيجياتها، بما يمكنها من الاستجابة للتحولات المستمرة في محيطها.
خامسا: الأداء الاستراتيجي
يعكس الأداء الاستراتيجي قدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية في ضوء مواردها وإمكاناتها. وقد عرفه صفوت والنعيمي (2017) بأنه قدرة المنظمة على استخدام مواردها ومواءمتها مع متغيرات البيئة لتحقيق أهدافها. كما يشير الطويل (2019) إلى أن الأداء الاستراتيجي يتمثل في قدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية بفاعلية، وهو ما يجعل قياس الأداء جزءا أساسيا من عملية الإدارة الاستراتيجية.
ويمثل قياس الأداء الاستراتيجي أداة تساعد المؤسسات على معرفة مدى تقدمها نحو تحقيق أهدافها، كما يوفر مؤشرات يمكن الاستناد إليها في تحسين السياسات والبرامج المستقبلية.
العلاقة بين المفاهيم الاستراتيجية
والمتأمل في المفاهيم السابقة يجد أنها مترابطة ومتسلسلة ويمكن تلخيص العلاقة بين المفاهيم كالتالي:
- التفكير الاستراتيجي هو عملية تركيب للمعارف والخبرات الشخصية وخبرات الاخرين والبيانات التي يتم الحصول عليها.
- التوجه الاستراتيجي ينطلق من نتائج التفكير الاستراتيجي ليحدد معالمه التي تسترشد بها إدارة المنظمة في تحديد أهدافها.
- الإدارة الاستراتيجية هي الميدان التطبيقي للتفكير الاستراتيجي وترجمة له بصورة عملية.
- التخطيط الاستراتيجي هو حلقة الوصل بين التفكير الاستراتيجي والإدارة الاستراتيجية.
- الإدارة الاستراتيجية مدخلاً للتخطيط الاستراتيجي، فالتخطيط الاستراتيجي عملية تحليلية، بينما لا تتوقف الإدارة الاستراتيجية عند عملية التحليل، ولكنها تهتم أيضاً بالأداء.
- التخطيط الاستراتيجي والإدارة الاستراتيجية والتفكير الاستراتيجي يكونون ما يسمى المثلث الاستراتيجي، فبدون التفكير الاستراتيجي لا يمكن القيام بعملية تخطيط استراتيجي وبدون عملية التخطيط الاستراتيجي لا تستطيع الإدارة الاستراتيجية القيام بعملها.
- التكيف الاستراتيجي هو قدرة المنظمة على توقع مشاكلها الداخلية والخارجية المستقبلية ومعرفة وسائل السيطرة عليها قدر الإمكان.
- الأداء الاستراتيجي هو قدرة المنظمة على الموائمة بين متغيرات البيئة وتحقيقها للأهداف وهو عملية مستمرة وشاملة.
تكشف المفاهيم السابقة عن وجود علاقة مترابطة بينها داخل إطار الفكر الاستراتيجي للمؤسسات. فالتفكير الاستراتيجي يمثل نقطة البداية التي يتم من خلالها تصور المستقبل واستشراف التحديات والفرص. وينبثق عنه التوجه الاستراتيجي الذي يحدد الاتجاه العام للمؤسسة. بعد ذلك يأتي التخطيط الاستراتيجي بوصفه العملية التي يتم من خلالها تحويل هذا التوجه إلى خطط وبرامج محددة، بينما تتولى الإدارة الاستراتيجية متابعة تنفيذ هذه الخطط وتقويم نتائجها. ويظهر التكيف الاستراتيجي بوصفه قدرة المؤسسة على تعديل مسارها استجابة للتغيرات البيئية، في حين يعكس الأداء الاستراتيجي النتائج الفعلية التي تحققها المؤسسة نتيجة لهذه العمليات.
خاتمة السلسلة
يتضح من خلال هذه السلسلة أن التخطيط الاستراتيجي يمثل أحد المداخل الأساسية التي تساعد المؤسسات التربوية على التعامل مع التغيرات المتسارعة في بيئتها. فهو عملية منهجية تبدأ بالتفكير في المستقبل، ثم تحديد الاتجاهات الاستراتيجية، وصياغة الخطط، وتنفيذها، ومتابعة نتائجها. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم، يصبح تبني التفكير والتخطيط الاستراتيجي ضرورة لضمان قدرة المؤسسات التعليمية على أداء أدوارها في إعداد الأفراد والمساهمة في التنمية المجتمعية.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!