تقنيات التعليم كاستراتيجية مبتكرة للحد من الغياب والتسرب المدرسي وتعزيز جودة التعليم
كتبه. د/ رفيدة عدنان الأنصاري
تمهيد
تتناول هذه الدراسة إحدى أكثر الإشكالات إلحاحًا في الأنظمة التعليمية المعاصرة، والمتمثلة في تفاقم مشكلتي الغياب والتسرب المدرسي بوصفهما مظهرًا من مظاهر الفقد التعليمي وانعكاسًا مباشرًا لتدني جودة التعليم. تمثل هذه الإشكالية تحديًا حقيقيًا أمام جهود تطوير المنظومة التعليمية وتحقيق مخرجات نوعية قادرة على مواكبة متطلبات التنمية، الأمر الذي يفرض البحث عن مداخل مبتكرة للمعالجة، من أبرزها تفعيل تقنيات التعليم بصورة واعية ومخططة. تنطلق الدراسة من قناعة بأن التقنيات التعليمية ليست مجرد أدوات مساندة، بل هي مدخل متكامل يمكن توظيفه لإعادة بناء بيئة التعلم بصورة تجذب المتعلم، وتحد من دوافع الغياب والانقطاع عن التعلم.
مشكلة الدراسة وأهميتها
تتمحور مشكلة الدراسة حول الصورة المتنامية للفقد التعليمي، كما يتجلى في نسب الغياب والتسرب المدرسي، وما يترتب على ذلك من هدر للجهود والموارد وضعف في نوعية المخرجات التعليمية. توضح الدراسة أن استمرارية الاعتماد على أساليب تدريس تقليدية، واستقرار أنماط الوسائل التعليمية التي يوظفها المعلمون، يسهم في تعميق الشعور بالملل لدى المتعلمين ويضعف انخراطهم في عملية التعلم، مما يغذي ظاهرة الغياب ويمهد للتسرب. تبرز أهمية البحث في كونه يستجيب لحاجة عملية ملحة لدى صناع القرار التربويين والممارسين في الميدان إلى تصور متكامل يربط بين توظيف تقنيات التعليم وتحسين جودة التعليم وتقليص الفاقد التعليمي.
أهداف الدراسة وتساؤلاتها
تهدف الدراسة بوجه رئيس إلى بناء رؤية مقترحة لتفعيل تقنيات التعليم بما يسهم في معالجة مشكلتي الغياب والتسرب المدرسي ضمن إطار شامل لجودة التعليم. ويتفرع عن هذا الهدف الرئيس عدد من الأهداف الفرعية، من أبرزها: الكشف عن واقع استخدام التقنيات التعليمية في المؤسسات التربوية، واستجلاء التحديات التي تحد من فاعليتها، واستثمار الأدبيات والدراسات السابقة لبناء سيناريو تطبيقي يمكن أن يشكل إطارًا إجرائيًا للمعلمين والمؤسسات التعليمية. وانطلاقًا من ذلك صيغ التساؤل الرئيس للدراسة في سؤال محوري هو: ما الرؤية المقترحة لتفعيل تقنيات التعليم في معالجة مشكلتي الغياب والتسرب المدرسي؟ متفرعًا عنه تساؤلات تتصل بأبعاد الفقد التعليمي، ومتطلبات الجودة، ومتغيرات البيئة المدرسية.
منهجية الدراسة وإطارها النظري
اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي في تناول قضية التقنيات التعليمية وعلاقتها بالغياب والتسرب، وذلك من خلال تحليل الأدبيات المتخصصة والدراسات السابقة ذات الصلة بمجالات تقنيات التعليم وجودة التعلم والفاقد التعليمي. أتاح هذا المنهج رصد الاتجاهات النظرية والنتائج البحثية المتراكمة حول أسباب الغياب والتسرب والعوامل المؤثرة فيهما، إلى جانب تتبع أنماط توظيف التقنيات التعليمية وتحديات تفعيلها في البيئات المدرسية. كما استعانت الدراسة بأسلوب بناء السيناريو في صياغة الرؤية المقترحة، حيث جرى توظيف المعطيات النظرية والعملية لبناء تصور مستقبلي قابل للتطبيق يحدد الأدوار والمسؤوليات ومستويات التفعيل للتقنيات في الميدان التربوي.
نتائج الدراسة الرئيسة
تشير نتائج الدراسة إلى أن توظيف تقنيات التعليم ما يزال، في كثير من البيئات التعليمية، محدودًا ومقيدًا بنماذج استخدام سطحية لا تتجاوز العرض التوضيحي، مما يقلل من أثرها في جذب المتعلمين وتحفيزهم على المواظبة والحضور. أظهرت النتائج أن ضعف الوعي الثقافي بدور مراكز التقنيات التعليمية، وقصور استثمارها في تصميم خبرات تعليمية تفاعلية، يسهم في استمرار مظاهر الفقد التعليمي المتمثلة في الغياب والتسرب. كما بينت الدراسة أن تعزيز فاعلية التقنيات التعليمية يتطلب تكاملًا بين تطوير البنية التحتية التقنية، وبناء كفايات المعلمين، وإعادة تنظيم البيئة الصفية والمدرسية بما يسمح بتعلم نشط يرسخ انتماء المتعلم لمدرسته ويحد من دوافع الانقطاع.
الملامح العامة للرؤية المقترحة
تتمحور الرؤية المقترحة حول بناء منظومة متكاملة لتفعيل تقنيات التعليم، تنطلق من جعل التقنيات جزءًا بنيويًا في التخطيط للتعليم وليس عنصرًا شكليًا مضافًا. وتتضمن هذه الرؤية إعادة تعريف دور مراكز التقنيات التعليمية في المؤسسات التربوية بوصفها منصات لبناء ثقافة تقنية تربوية واعية، من خلال برامج توعوية وتدريبية تستهدف المعلمين والطلاب والإدارات المدرسية. كما تقوم الرؤية على توجيه توظيف التقنيات نحو دعم ممارسات تعليمية تفاعلية قائمة على التعلم النشط، والعمل التعاوني، والتعلم الذاتي، بما يدعم شعور المتعلم بجدوى الحضور المدرسي ويقلل من احتمالات الغياب والتسرب.
متطلبات تفعيل الرؤية
تشدد الدراسة على أن تفعيل الرؤية المقترحة يستلزم حزمة من المتطلبات الأساسية، في مقدمتها توفير بنية تقنية مناسبة في المدارس تتيح الاستخدام السلس والمنتظم للوسائط التعليمية المختلفة. كما تؤكد ضرورة الاستثمار في تدريب المعلمين على تصميم أنشطة تعليمية تراعي خصائص المتعلمين وتستثمر إمكانات التقنيات في إثارة الدافعية، علاوة على تطوير أنظمة المتابعة والتقويم لرصد أثر توظيف التقنيات على معدلات الغياب والتسرب. وتبرز الدراسة أهمية الشراكة بين المدرسة والأسرة والمجتمع في دعم التوجه نحو بيئة تعليمية موائمة، تستخدم التقنيات لتقريب المدرسة من واقع المتعلم وتوطيد ارتباطه بها.
أبرز التوصيات
انتهت الدراسة إلى مجموعة من التوصيات العملية التي تستهدف صانع القرار التربوي والممارس في الميدان، من أبرزها: ضرورة نشر الوعي الثقافي بالتقنيات التعليمية في مراكز التقنيات وكيفية تفعيلها في المؤسسات التربوية بوصفها أداة استراتيجية للحد من الفقد التعليمي. كما توصي بتعزيز نظم توظيف التقنيات عبر وضع سياسات واضحة وآليات متابعة داعمة لابتكار أساليب تدريس جديدة قادرة على رفع جودة التعلم وخفض معدلات الغياب والتسرب، مع دعم مبادرات المعلمين التي توظف التقنيات في بناء بيئات تعلم جاذبة. وتدعو الدراسة إلى اعتماد نماذج تجريبية في عدد من المدارس لتطبيق الرؤية المقترحة، وقياس أثرها بدقة تمهيدًا لتعميم التجربة على نطاق أوسع
خاتمة
تكشف هذه الدراسة عن أن معالجة مشكلتي الغياب والتسرب المدرسي تتطلب الانتقال من رؤية تقليدية للتعليم إلى تصور أكثر حيوية يجعل من تقنيات التعليم أفقًا لإعادة تشكيل خبرة التعلم ذاتها، لا مجرد زخرفة شكلية للدرس. ويغدو النجاح في تفعيل هذه الرؤية رهنًا بقدرة المنظومة التعليمية على تحويل التقنيات إلى لغة يومية للتفاعل، تعيد للمدرسة جاذبيتها، وللتعلم معناه، وللمتعلم شعوره بأن حضوره هو بوابة لمستقبل أوسع وأغنى بالفرص.
--------------------------------------
بحث علمي منشور للدكتورة رفيدة عدنان الأنصاري بعنوان "رؤية مقترحة لتفعيل تقنيات التعليم: مدخل لمعالجة مشكلتي الغياب والتسرب الدراسي". (2016). المجلة العربية لدراسات وبحوث العلوم التربوية والإنسانية. العدد (5). الصفحات 145-168
انتهى ،،،
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!