طلب مستشار أو مدرب تسجيل حساب شركة أو هيئة تسجيل حساب خبير جديد تسجيل حساب مستفيد جديد تسجيل الدخول
طلب استشارة جديد

في الحديث عن الإيجابيات (3) فن إعادة النظر: كيف نعيد تشكيل أفكارنا لنصنع واقعاً أكثر اتزاناً؟

في الحديث عن الإيجابيات (3) فن إعادة النظر: كيف نعيد تشكيل أفكارنا لنصنع واقعاً أكثر اتزاناً ؟

كتبه: د/ أحمد علي المعمري


تمهيد

يجب الإشارة الى أن:

فكرة المقال معروفة في دراسات وأبحاث علم النفس (نقصد علم النفس التقليدي)، وهي واحدة من القضايا التي أهتم بها علم النفس الإيجابي، وهذا يعني أن لها جذورًا في علم النفس، وخاصة علم النفس المعرفي، وموجودة بصورة أو بأخرى في فروع عدة من فروعه. هذا جانب، والجانب الآخر هو أننا نرى أن توظيف علم النفس، وأستخدام مفاهيمه ومنظوراته ونظرياته تحقيقًا لما يلامس حياة الناس اليومية، من منظور ما قاله فيلسوف الماني (العلم للتغيير وليس للتفسير)، هو من جواهر العلم ووظائفه.


(تأمل)

ليس الشأن أن ترى، بل أن تعتبر بما ترى
الإمام الفيلسوف المربي أبو حامد الغزالي

هذه الجملة ليست حكمة عابرة، بل حجر الأساس في واحدة من أهم المهارات العقلية التي يجب أن يمتلكها الإنسان: إعادة النظر
(هل إعادة النظر أو القدرة على إعادة النظر مهارة أم سمة من سمات الشخصية؟)

إنها القدرة على أن نعيد قراءة الموقف نفسه، لكن بوعي مختلف، وبزاوية تسمح لنا أن نرى ما لم نكن نراه من قبل.


ما الذي نعنيه بإعادة النظر؟

إعادة النظر ليست تزييفًا للواقع ولا محاولة لطلائه بألوان وردية.
بل عملية معرفية دقيقة يُعاد فيها ومن خلالها تفسير الحدث بطريقة أكثر اتزانًا، دون إنكار الألم أو تجاهل الحقائق.
الحدث ثابت، لكن زاوية النظر قابلة للتعديل.
وهنا يكمن الفرق بين من ينهار أمام التجربة، ومن يخرج منها أكثر حكمة.


الأساس العلمي: كيف تعمل هذه المهارة؟

تستند إعادة النظر إلى ثلاثة أعمدة علمية راسخة:

  1. نظرية التقييم المعرفي (Lazarus):
    الانفعال ليس نتيجة الحدث، بل نتيجة تفسيرنا له.

  2. نظرية تنظيم الانفعال (Gross):
    إعادة التقييم المعرفي هي أكثر استراتيجيات التنظيم الانفعالي فاعلية، لأنها تغيّر المشاعر من جذورها.

  3. علم الأعصاب العاطفي:
    عندما نعيد تفسير الموقف، ينخفض نشاط اللوزة الدماغية (مركز الخوف)، ويزداد نشاط القشرة الجبهية (مركز التفكير والتنظيم).

بهذا تصبح إعادة النظر أداة معرفية–عصبية تعيد ضبط الجهاز الانفعالي.


تمارين تطبيقية تعمّق المهارة

أ. تمرين نافذة الوعي

اكتب في لحظة انفعال:

  1. الحدث

  2. الفكرة التلقائية

  3. الشعور الناتج

هذه الخطوة تكشف لك أين يبدأ التشوّه العام والمعرفي على وجوه الخصوص.


ب. تمرين إعادة الصياغة الثلاثية

اسأل نفسك:

  1. ما الفكرة؟

  2. ما الدليل عليها؟

  3. ما البديل الأكثر اتزانًا؟

هذا التمرين يُستخدم في العلاج المعرفي السلوكي، وهو نوع من العلاج كثير من تقنياته عابرة للثقافة.


ج. تمرين المسافة النفسية

تحدث مع نفسك بصيغة الغائب:
(يا أحمد، ما أفضل تفسير لهذا الموقف؟)

تُظهر الدراسات أن هذا الأسلوب يقلل التوتر ويزيد القدرة على اتخاذ القرار.


د. تمرين القصة الجديدة

  1. اختر تجربة صعبة مررت بها.

  2. أعد كتابتها من منظور:

    • ماذا تعلّمت؟

    • ماذا اكتشفت؟

    • ما الذي تغيّر فيّ؟

هذا التمرين يحوّل الألم إلى معنى.


مثال من تجارب الحياة

شاب خسر فرصة وظيفية كان ينتظرها.

  • التفسير الأولي: (أنا غير كفء)

  • إعادة النظر: (ربما لم يكن هذا المكان مناسبًا، وربما أحتاج إلى تطوير مهارة محددة للفوز في المرة القادمة)

النتيجة: وعي، لا جلد ذات.
خطوة نحو النمو، لا خطوة نحو الانهيار.


إعادة النظر كمهارة حضارية

هذه المهارة ليست فردية فقط، بل هي قدرة مجتمعية تستخدم، أو يجب أن تستخدم، لقراءة الواقع بعمق، وتجاوز ردود الفعل السريعة، وبناء ثقافة ترى في التحديات فرصًا للتعلم لا بوابات للفشل.
إنها مهارة قيادية، تعليمية، وعلاجية في آن واحد.


خاتمة

ليست الأحداث هي ما يصنع انفعالاتنا، بل تقييمنا لتلك الأحداث
لازاروس – رائد من رواد علم النفس في القرن العشرين


وقفة

وأنا أكتب هذا المقال رجعت الى بعض مصادر ومراجع ورقية والكترونية، وبعض نماذج الذكاء الاصطناعي، وعند الصياغة النهائية وجدتني أصل الى نسختين؛ هذه واحدة، والثانية أجمل من هذه، وجمالها يكمن في أنها تحتوي على الكثير من التمارين والتطبيقات، ولكنها كانت كبيرة تتجاوز ألفين كلمة، ففكرت أن أرسل هذه للمرصد، والثانية أدمجها مع ما سينشر هنا وأضمنها في الكتاب الذي أنوي نشره خلال العام الحالي بعون الله حول علم النفس الإيجابي في حياتنا.

من المؤكد أن الحوار والنقاش والمدارسة يثري ما ننتج ويرسخ قبول وجهات النظر.

شارك المقالة:

هل تحتاج إلى استشارة متخصصة؟

احصل على استشارة احترافية من خبرائنا المعتمدين

التعليقات

0 تعليق

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذه المقالة!