واردات الدول ومساهمة الاقتصاد الرياضي العالمي
كتبه. المستشار/ عبدالغني نعمان
يُعدّ الاقتصاد الرياضي اليوم أحد القطاعات الاقتصادية المهمة على المستوى العالمي، إذ لم تعد الرياضة مجرد نشاط ترفيهي أو مجال للمنافسة وتحقيق الإنجازات، بل تحولت إلى صناعة متكاملة تساهم في خلق الثروة، وتوفير فرص العمل، وتنشيط قطاعات اقتصادية متعددة.
وتشير التقديرات إلى أن حجم الاقتصاد الرياضي العالمي يبلغ نحو 2.3 تريليون دولار سنويًا، بما يعادل قرابة 2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع توقعات باستمرار نموه خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بالتوسع في الرياضة الاحترافية، والسياحة الرياضية، والتكنولوجيا، وحقوق البث، والرعاية والإعلانات، وصناعة الملابس والمعدات الرياضية.
أولًا: واقع الاقتصاد الرياضي العالمي
يمتد الاقتصاد الرياضي إلى منظومة واسعة من الأنشطة، تشمل:
- الرياضة الاحترافية والمسابقات الدولية.
- السياحة الرياضية والفعاليات الكبرى.
- صناعة الملابس والأحذية والمعدات الرياضية.
- حقوق البث الإعلامي والرقمي.
- الرعاية والإعلانات والتسويق الرياضي.
- التكنولوجيا الرياضية وتحليل البيانات.
- المنشآت والمرافق الرياضية.
- الرياضة المجتمعية والأنشطة البدنية.
- النقل والفنادق والمطاعم والخدمات المرتبطة بالفعاليات الرياضية.
وتسهم الأحداث الرياضية الكبرى، مثل الألعاب الأولمبية وكأس العالم لكرة القدم والبطولات القارية والدولية، في تحريك عجلة الاقتصاد من خلال زيادة الإنفاق على السفر والإقامة والنقل والتذاكر والتسوق والخدمات المختلفة.
وتُعدّ السياحة الرياضية من أبرز مكونات الاقتصاد الرياضي العالمي، إلى جانب صناعة الملابس والمعدات الرياضية، والرياضة المجتمعية والأنشطة البدنية، فضلًا عن الرياضة الاحترافية التي تحقق إيرادات ضخمة من حقوق البث والرعاية والإعلانات وحقوق التسويق والاستثمار.
ثانيًا: واردات وصادرات السلع الرياضية
تُعدّ التجارة الدولية في السلع والمعدات الرياضية جزءًا مهمًا من الاقتصاد الرياضي العالمي، وتشمل الملابس والأحذية والكرات والمعدات والأجهزة الرياضية وغيرها من المنتجات.
وتُعدّ الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر الأسواق المستوردة للسلع الرياضية عالميًا، إلى جانب أسواق كبرى في أوروبا وآسيا.
وفي المقابل، برزت دول آسيوية، مثل فيتنام وإندونيسيا وباكستان، ضمن أهم مراكز تصنيع وتصدير عدد كبير من المنتجات الرياضية، ولا سيما الملابس والأحذية والكرات والمعدات، مستفيدة من تطور الصناعات التحويلية، وانخفاض تكاليف الإنتاج، واندماجها في سلاسل التوريد العالمية.
ومن المهم هنا التمييز بين حجم الاقتصاد الرياضي وبين حجم التجارة الدولية للسلع الرياضية؛ فالأول يشمل جميع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالرياضة، بينما تقتصر التجارة الرياضية على حركة السلع والخدمات الرياضية بين الدول.
ثالثًا: الرياضة بوصفها قيمة اقتصادية مضافة
إن معظم الدول المتقدمة لم تعد تنظر إلى الرياضة باعتبارها مجرد قطاع يحتاج إلى الإنفاق الحكومي، بل أصبحت تنظر إليها باعتبارها استثمارًا اقتصاديًا واجتماعيًا يمكن أن يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
ويُستخدم في هذا السياق مفهوم القيمة المضافة الإجمالية (GVA – Gross Value Added)، وهو مؤشر اقتصادي يُستخدم لقياس القيمة التي يضيفها قطاع أو نشاط معين إلى الاقتصاد، بعد احتساب قيمة المدخلات المستخدمة في إنتاج السلع والخدمات.
ولهذا السبب، تقوم العديد من الدول بقياس مساهمة الرياضة في الناتج الاقتصادي، وفرص العمل، والأجور، والاستثمارات، والسياحة، والضرائب، والقطاعات الاقتصادية المرتبطة بها.
رابعًا: التجربة البريطانية نموذجًا
تقدم المملكة المتحدة مثالًا مهمًا في قياس الأثر الاقتصادي للرياضة، حيث تقوم الجهات الحكومية المختصة برصد مساهمة القطاع الرياضي والأنشطة المرتبطة به في الاقتصاد الوطني.
وبحسب البيانات المتعلقة بالقطاع الرياضي في المملكة المتحدة لعام 2021، فقد ساهمت الأنشطة الرياضية وما يرتبط بها بصورة مباشرة في الاقتصاد البريطاني بمبالغ كبيرة، كما وفرت مئات الآلاف من فرص العمل، وأسهمت في توليد دخول وأجور للعاملين في المهن والأنشطة المرتبطة بالرياضة.
وتكشف هذه المؤشرات عن حقيقة مهمة، وهي أن الاستثمار في الرياضة لا يقتصر أثره على الملاعب والمنتخبات والبطولات، وإنما يمتد إلى قطاعات واسعة، مثل السياحة، والفنادق، والنقل، والإعلام، والتسويق، والتجارة، والصناعات الرياضية، والتكنولوجيا، والخدمات.
ومن هنا، فإن قياس الرياضة من خلال سؤال: «كم تنفق الدولة على الرياضة؟» فقط، يمثل رؤية جزئية وغير مكتملة.
والسؤال الأكثر أهمية هو:
«ماذا تحقق الرياضة للاقتصاد الوطني مقابل ما يُنفق عليها؟»
خامسًا: من منطق الإنفاق إلى منطق الاستثمار
إن التدقيق في التجارب الدولية يكشف وجود فجوة كبيرة بين الدول التي تنظر إلى الرياضة باعتبارها استثمارًا اقتصاديًا طويل الأمد، وتلك التي لا تزال تتعامل معها باعتبارها بندًا من بنود الإنفاق العمومي.
فالإنفاق على الرياضة يمكن أن يتحول إلى استثمار عندما يكون جزءًا من استراتيجية متكاملة تقوم على:
- تطوير البنية التحتية الرياضية.
- دعم صناعة المعدات والملابس الرياضية.
- الاستثمار في المواهب والموارد البشرية.
- تطوير السياحة الرياضية.
- استقطاب وتنظيم الفعاليات الدولية.
- تعزيز الاستثمار الخاص والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
- تطوير الإعلام والتسويق والاقتصاد الرقمي الرياضي.
- دعم الابتكار والتكنولوجيا الرياضية.
- بناء منظومة احترافية للحَوْكمة والإدارة الرياضية.
كما أن العائد من الرياضة لا يُقاس بالمال فقط؛ فالرياضة تحقق أيضًا عوائد صحية واجتماعية وتربوية وثقافية، وتسهم في تحسين جودة الحياة، وتقليل بعض الأعباء الصحية، وتعزيز اندماج الشباب، وتنمية روح الانتماء، وتحسين صورة الدول وقدرتها على التأثير الثقافي والسياحي.
إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح داخل المنظومة الرياضية ليس فقط:
«ماذا تنفق الدولة على الرياضة؟»
بل يجب أن يُطرح إلى جانبه سؤال أكثر عمقًا:
«ماذا تجني الدولة من الرياضة؟»
فالدول التي أدركت القيمة الاقتصادية الحقيقية للرياضة لم تعد تتعامل معها باعتبارها تكلفة مالية فحسب، وإنما باعتبارها استثمارًا في الإنسان والاقتصاد والمجتمع.
ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحّة إلى إعادة النظر في الفكر السائد حول الاقتصاد الرياضي، والانتقال من ثقافة الإنفاق على الرياضة إلى ثقافة الاستثمار في الرياضة، ومن قياس التكلفة فقط إلى قياس العائد والقيمة المضافة وفرص العمل والاستثمارات التي يمكن أن تولدها المنظومة الرياضية.
فالرياضة الحديثة ليست مجرد ملاعب ولاعبين وبطولات، وإنما أصبحت صناعة واقتصادًا وسوقًا وفرصًا استثمارية، ومن يحسن إدارتها يستطيع تحويلها من عبء على الموازنة إلى أحد روافد التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!