ذاكرة رقمية… ومعرفة مفقودة
كتبه: د. سعد حمد الذبياني
لم يسبق للمؤسسات أن امتلكت هذه القدرة الهائلة على حفظ تاريخها. فالمراسلات مؤرشفة، والقرارات موثقة، والمشروعات محفوظة، والبيانات تتراكم في الأنظمة والمنصات يوما بعد يوم. ومع ذلك، قد تواجه المؤسسة مشكلة سبق أن واجهتها، أو تعيد تجربة لم تنجح من قبل، أو تفقد خبرة تراكمت لسنوات بمجرد مغادرة أحد أفرادها.
وهنا تظهر إحدى المفارقات المهمة في عصر التحول الرقمي: أن نمتلك قدرة أكبر على حفظ المعلومات، دون أن نمتلك بالضرورة قدرة أكبر على تذكر ما تعلمناه منها.
فالذاكرة المؤسسية ليست مستودعا للملفات، ولا أرشيفا إلكترونيا ضخما، بل هي قدرة المؤسسة على الاحتفاظ بخبراتها واستدعائها عندما تحتاج إليها. والفرق بين الأمرين كبير؛ فقد نعرف ماذا حدث في مشروع سابق، لكننا لا نعرف لماذا اتخذ قرار معين، وما البدائل التي نوقشت، وما الذي نجح، وما الذي أخفق، وما الدرس الذي كان ينبغي ألا ينسى.
ولهذا فإن الرقمنة، رغم قدرتها على حفظ التاريخ المؤسسي، قد تنتج شكلا جديدا من النسيان. فكلما ازدادت كمية المعلومات، أصبحت المعرفة المهمة أكثر عرضة للضياع داخل هذا التدفق، ما لم توجد آليات تحول التجارب المتراكمة إلى معرفة يمكن الوصول إليها والاستفادة منها.
وتزداد المشكلة وضوحا عندما ترتبط المعرفة بالأشخاص لا بالمؤسسة. فقد يغادر موظف خبير، فتغادر معه تفاصيل لا توجد في أي دليل إجرائي، أو يتغير فريق العمل فتبدأ الأسئلة نفسها من جديد. وعندها تكتشف المؤسسة أن ما كانت تملكه لم يكن معرفة مؤسسية، بل ذاكرة أفراد يعملون داخلها.
إن التحول الرقمي الناضج ينبغي أن يتجاوز سؤال: كيف نحفظ المعلومات؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نحفظ ما تعلمناه؟
وهذا يعني أن توثيق المشروعات لا ينبغي أن ينتهي عند تسجيل النتائج، بل يمتد إلى تسجيل الدروس، ومنطق القرارات، وأسباب النجاح والإخفاق، وما يمكن نقله إلى التجارب القادمة. فالقيمة الحقيقية للبيانات لا تظهر عندما تخزن، بل عندما تمنع خطأ من أن يتكرر، أو تساعد قرارا جديدا على أن يكون أكثر نضجا.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تصبح الفرصة أكبر لبناء ذاكرة مؤسسية أكثر فاعلية، من خلال استرجاع المعرفة الموزعة، وربط التجارب السابقة بالمشكلات الحالية، واكتشاف الأنماط التي قد يصعب ملاحظتها وسط الكم الهائل من المعلومات. لكن التقنية لن تصنع ذاكرة مؤسسية من معرفة لم تحرص المؤسسة أصلا على التقاطها وتوثيقها.
ختاما، قد يكون أحد مؤشرات نضج التحول الرقمي في المستقبل ليس مقدار ما تستطيع المؤسسة تخزينه، بل مقدار ما تستطيع أن تتعلمه مما خزنته.
التعليقات
0 تعليقيجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذه المقالة!