د. منصور سعيد القرني
د. منصور سعيد القرني
العلوم الأمنية - دراسات أمنية
408
العلوم الأمنية - دراسات أمنية
أمن وطني

الشباب والتطرف العنيف: عوامل انضمام الشباب إلى جماعات التطرف العنيف في مناطق الصراع

الشباب والتطرف العنيف: عوامل انضمام الشباب إلى جماعات التطرف العنيف في مناطق الصراع
747
الشباب والتطرف العنيف: عوامل انضمام الشباب إلى جماعات التطرف العنيف في مناطق الصراع

 الشباب والتطرف العنيف: عوامل انضمام الشباب إلى جماعات التطرف العنيف في مناطق الصراع

كتبه الدكتور/ منصر بن سعيد القرني 

أدى توجه أعداد من الشباب الاسلامي والعربي تحديداً إلى مناطق الاقتتال منذ بداية حرب أفغانستان الأولى مع الاتحاد السوفيتي، والثانية مع أمريكا، ثم ما تلا ذلك من صراعات في الشيشان، والبوسنة والهرسك، والصومال، وبعض مناطق أفريقيا، والأكثر أهمية ما حدث في حرب العراق، ومازال يحدث إلى الآن، وما يحدث من صراعات في سوريا، التي أصبحت منذ بداية الثورة السورية مأواً لهؤلاء الشباب. شكل ذلك الكثير من المخاطر والهواجس الأمنية والاجتماعية، لا سيما بعد أن برهن عددً من هؤلاء الشباب الذين عادوا إلى أوطانهم صحة هذه الهواجس، حيث كانوا النواة التي تشكّلت وشكلّت الجماعات والخلايا، التي انتهجت ومارست العنف والأعمال الإرهابية في الداخل، وفي أغلب الدول العربية والاسلامية.

وهذا الاندفاع الشبابي العربي والإسلامي إلى المناطق الملتهبة بالصراعات والاقتتال، وخاصة إلى سوريا، يثير الكثير من التساؤلات عن الأسباب والدوافع المحركة لذلك، وما إذا كان هناك خصائص نفسية أو اجتماعية تميز هؤلاء الشباب العرب والمسلمين عن غيرهم، تجعلهم يهبون إلى تلك المنطق على الرغم من إدراكهم بتجريم السفر والتوجه إلى مناطق الاقتتال، سواءً أكان ذلك من خلال الأنظمة القانونية، أم من خلال الفتاوى التي تصدرها مؤسسات الفتوى في دولهم، أو من قبل علماء دولهم. وعلى الرغم من ذلك فإن المثير في الأمر قدرة تلك المنظومة الإرهابية الجذب والتجنيد الذي شكل القوة التنظيمية، ومنحها أكسير الحياة، بضخ الكوادر متعددة الأدوار والمهام والوظائف والتخصصات، ومتعددة الجنسيات والثقافات، وبالتالي الاستمرارية فكراً وسلوكاً. ومن هنا تبرز الكثير من التساؤلات التي تبحث عن السرّ في القوة الجاذبة للشباب من قبل تلك الجماعات.

واستجابة لهذا الموقف المشْكِل وما استجره من تساؤلات، كان إجراء دراسة علمية معتمدة على الممنهج العلمي، والمتناغم مع الخبرة في المجال الأمني وفي مجال إعادة التأهيل، ـ وقد كان ـ لكي تُقدم التصور الذي يُؤمل أن تكون أكثر تشخيصاً، وأقرب لطبيعة الموقف المُشْكِل، ويُبصّر القائمين على مكافحة التطرف والسلوك الارهابي بجانب مهم يتعلق بتحقيق الأمن الفكري، ويمكّنهم من وضع الخطط الاستراتيجية التي تحول دون ضخ المزيد من هؤلاء الشباب باتجاه تلك المناطق، وفي نفس الوقت توفّر الاستعدادات لاستقبال العائدين من تلك المناطق، وإعادة تأهيليهم فكرياً وسلوكياً، أما لدرء خطرهم وإعادة دمجهم في المجتمع، وأما للحيلولة دون إعادة إنتاجهم وصناعتهم، باتجاه العمل العدائي الداخلي الموجه لبلدانهم.

وقد أكدت النتائج التي تم التوصل إليها، أن واقع الأمر، والسرّ يكمن في الشباب أنفسهم وفي الظروف المحيطة بهم، والتي تجعل من الشباب أو الشاب لأن يكون مهيأ وصيداً سهلاً لتلك الجماعات، يدفعه إلى ذلك الاتجاه القصور الاجتماعي تجاههم، في مقابل النشاط الذكي من قبل تلك الجماعات، التي تنتهز هكذا فرصة في أن تكون البديل الأمثل، الذي يملأ حياتهم، ويحقق طموحاتهم، ويلبي حاجاتهم. وعليه فإنه السلوك العنيف يتوفر من الأساس كشعور في داخل الفرد المتطرف ذاته، وبالتالي تكون الحالة النفسية للفرد المتطرف هي الأساس لجميع اعماله وأفعاله، التي تستجيب للمؤثرات الخارجية، وتترجم عملياً في سلوكيات عنيفة متعددة، وبعناوين متنوعة متطرفة، في قضايا سياسية وفكرية وقومية ودينية ومذهبية.

لذلك نجد أن ديماغوجيا تلك الجماعات لا سيما تنظيم "داعش" أنتهز فرصة ما يعانيه بعض الشباب في مجتمعاتهم من ظروف اجتماعية متعددة، (سياسية واقتصادية واجتماعية) وفراغ روحي واهتزاز نفسي، فكان خطابها الذي يدغدغ المشاعر، ويحاولون من خلاله ملئ الفراغ الحاصل بترويج شعارات فضفاضة واعدة، من أنهم على الحق المبين، وعن طريقهم ستكون النجاة في الدنيا والآخرة، مدلسين وملبسين على الشباب من أنّ الالتحاق بهم والانضمام إلى معسكراتهم، أو دعمهم مادياً ومعنوياً، أو التعاطف معهم، إنما هو في حقيقة الأمر نصرة للإسلام والمسلمين في كافة بقاع العالم، وإعلاء لراية التوحيد خفاقة على أرض الله الواسعة، بعد أن فشا الظلم والفساد، وكثُر اضطهاد المسلمين، والتعدي على ثرواتهم ومقدراتهم.

وتجيد تلك الجماعات فن التعْبير الذي يفجر العواطف باستخدام الخطاب البليغ، والتصوير المعبّر، والاناشيد التي تطرب لها القلوب، موظّفين التقنيات الرقميّة عالية الجودة في التعريف بفكرهم وأهدافهم (المقبولة اجتماعياً والتي قد لا تمثل الحقيقة)، وفي ترويج المعارك التي يزعمون الانتصار فيها على أعداء الله. وذلك بهدف إحداث التأثير في قلوب وعقول المتلقين، وهو ما يتحقق في الغالب عند الشباب المهيؤون نفسياً، لأنهم قد يرون في ذلك تعويضًا لعجزهم، وثأراً لضعفهم، فيندفعون نتيجة ذلك إلى رحاب وأحضان تلك الجماعات، بحثاً عن بطولة وهميّة، وعن ظهور ظرفي، وعن احتفالٍ بالذات، ولو عبر تقويض الآخر والفتك به، سعياً لتحقيق الذات.

وعليه، فإنه بالنظر في ظاهرة انجذاب الكثير من الشباب إلى جماعات التطرف والعنف، بالإضافة إلى تواجدهم في الدول التي تعيش صراعاً مسلحاً أو تغص بالجماعات الإرهابية، نجد إنما ذلك نتيجة لعاملين أساسيين، ويندرج أو يتفرع منها عدداً من العوامل، وهذين العاملين هما: العامل أو العوامل الذاتية (الداخلية في ذات الإنسان)، والعامل أو العوامل البيئية (المحيط الاجتماعي). وكلا العاملين ـ بصرف النظر عما يندرج تحتهما من عوامل ـ لا بد من توافرها لكي يكون الشباب مهيؤون لأن ينظمون إلى قافلة التطرف وسلوك العنف، لأن أحدهما يمثل مثير والآخر استجابة.

تعدد الاتجاهات والمدارس الفكرية والبحثية والعلمية ذات التخصصات المختلفة التي تناولت دراسة عوامل ظاهرة التطرف والسلوك الإرهابي، والتي تشير إلى عوامل كثيرة ومتداخلة تتفاعل فيما بينها على المدى البعيد، وتنشئ في النهاية فكرًا متطرفاً وعنيفاً، وأيضاً تتعدد الاتجاهات في تصنيف تلك العوامل، وتتعدد الرؤى حول تأثيراتها الفكرية، فإنه ومن خلال الخبرة الميدانية، أصبح هناك قناعة تامة أن العوامل التطرفية تنطلق من خلال ذلك العاملين أو البعدين الرئيسين الأساسيين، (الداخلي، والخارجي)، وتحت هاذين البعدين العديد من الابعاد أو العوامل التي تمثلت في الاستجابات والمثيرات، وتنتج في النهاية السلوكيات الفكرية الفعلية والعملية، والدراسة العلمية التي تم إجراؤها أكدت هذا الاتجاه.

فالعوامل الذاتية تتوفر في ذات الإنسان، وهي ما يمكن تسميتها بالدوافع الذاتية، وهي مثير داخلي، تمثل القوة التي تدفع الفرد لأن يقوم بسلوك من أجل إشباع وتحقيق حاجاته أو أهدافه، ويكون مصدرها الشخص نفسه، يتم استثارتها خارجياً بناءً على وجود رغبة داخلية تهدف إلى إرضاء الذات، وبالتالي فهي استعداد وجداني، كالميل لفعل شيء ما دون غيره، وفي الغالب يكون هذا الميل مصحوبا بانفعال قوي تتحكم فيه العواطف، متى توفر المثير الخارجي الذي يستدعيها ويفجرها.

إذاً، هناك قوة كامنة داخلية تدفع باتجاه تحقيق الرغبات الداخلية التي تضغط على الذات. وهذه الحاجات أو الرغبات الضاغطة لدى الفئة المتجهة نحو التطرف تتمثل في الهروب من الواقع المؤلم الذي يتم معايشته لعوامل عدة، كالاضطرابات النفسية والمشاكل الاجتماعية بتعدداتها المختلفة، وبالتالي يصعب مقاومة هذه القوة وهو ما يدفع بالاتجاه نحو جماعات العنف والالتحاق بهم، لا سيما في المناطق الساخنة. يعزز ذلك الفهم الخاطئ العقدي الذي لم يكن منضبطاً بالضوابط الشرعية المعلومة في مسائل الجهاد، وكذا فتاوى الموتورين، وخفافيش الإنترنت.

وعليه، فإنه يستوجب النظر إلى هذه القوة الكامنة في ذوات الشباب الملتحقين بجماعات التطرف والعنف، على أنها دوافع نفسية كما هو في منظور علم النفس، والتي تختلف من شخص إلى آخر، وتختلف من دافع إلى آخر، كما أنه من المناسب لفت النظر إلى أن الدوافع النفسية التي تدفع نحو الهروب من الواقع، هي مطلب مهم لجماعات التطرف والعنف، وبالتالي فهي تهتم بالشباب المرتبكين نفسياً، وتسعى لضمهم وتجنيدهم، لعدم وعيهم وإدراكهم بالواقع من حولهم، لأنهم حبيسي الألم النفسي الذي يعيشونه ويتمحورون حوله، والأهم من ذلك أنهم الفئة الأنسب لممارسة العنف، كالقتل والعمل الانتحاري.

والعوامل البيئية كل المثيرات الخارجية المحيطة بالإنسان، والتي تمثل مجموعة الظروف أو المؤثرات الخارجية التي لها تأثير في حياة الأنسان، وتساهم في هندسة أنماط الحياة من حيث الطبائع والسلوك وطريقة التفكير وأساليب تحقيق الغايات واشباع الحاجات. إضافة إلى الدور الوظيفي الذي تطبعه أو تؤثر به على الإنسان كنتيجة طبيعية لتفاعله معها، وتأثره بها.

وبالنظر في العوامل الخارجية التي تمثل مثيرات أو أسباب تستدعي استجابة من العوامل الذاتية أو الداخلية، للتحول إلى سلوك، أياً كان هذا السلوك ايجابي أم سلبي، هي في الغالب كل ما لها علاقة بحياة الإنسان ومؤثرة في طريقة تعاطيه معها فكراً وسلوكاً ومنهجاً، والتي تختلف في أثرها على الفرد من شخص لآخر. لكنها في الغالب تتمثل في المجالات الاجتماعية التي تتشكل منها المنظومة الوظيفية لأي مجتمع. كالسياسية، والأمنية، والفكرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية، والثقافية والإعلامية، بجميع تشكيلاتها على مستوى كل مجال من تلك المجالات.

فالبيئة المحيطة والظروف الاجتماعية بمعطياتها المختلفة التي يعيشها بعض الشباب إلى جانب الظروف والمعاناة النفسية، تجعلهم أكثر عرضة للتطرف، بل قد يرون أن الالتحاق بجماعات العنف وانتهاج أسلوب العنف هو الطريق الذي لا بديل له، لأنهم إذا لم يكونوا سعداء في حياتهم، ويعيشون المنغصات الحياتية التي تضغط عليهم، فإنهم والأمر كذلك قد يلجؤون للهروب عن هذا الواقع المؤلم، بالانضمام إلى الفئة التي تساعدهم في الخروج من هذه الأزمة التي يعيشونها، وعلى الأرجح جماعات التطرف والعنف هم الفئة الأكثر ترجيحاً، وذلك لما يتميزون به من مقومات الجذب دينياً واقتصادياً ونفسياً، من خلال الوعود التي تُنثر بأساليب خطابية جذابة، تلهب المشاعر والعواطف، وتستفز المكنون النفسي عند الشباب.

ومن الملفت للنظر، أن العوامل أو الأسباب الخارجية التي تساهم في الانضمام إلى جماعات التطرف والعنف على الرغم من تشابكها وتماثلها إلاّ انها ليست في كل الظروف بنفس الدرجة والنوع والأثر في كل المجتمعات، إذ أنها تتباين ما بين مجتمع وآخر، ومن طبقة اجتماعية إلى أخرى، وما بين زمن وآخر. ومع ذلك، فإنه فضلا عن المجال المفتوح منذ عقود لأفكار التطرف، فإنه في الغالب يكون هناك عامل مشترك بين هذه العوامل أو الأسباب، يتمثل في انعدام تعددية الأفكار وانغلاقها وطابعها الأحادي. وهو ما يوفر البيئة التطرفية، وإذا ما كان هناك تعدد في الأفكار وحرية في الطرح ومناقشة تطويرها في إطار فقه الواقع، فإنما ذلك يوفّر البيئة التي يندثر فيها التطرف ويذوب أثره العدمي.

وايضاً، من الملفت للنظر أنه لا يمكن الجزم بوجود عوامل بعينها أو حتى دوافع محددة يمكن الزعم بأنها عوامل تؤدى بذاتها إلى ظهور سلوك العنف لدى هؤلاء الشباب، نظراً لأن العوامل متعددة ومتشابكة، وتختلف من بيئة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر، ومن شخص لشخص آخر، لكن ذلك لا يمنع بروز عامل أساسي عند الشباب، كما أن هذه العوامل أيضاً متجددة، ومختلفة من مجتمع لآخر وفقا للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي للمجتمع الذي تظهر فيه. ومن المناسب التدليل التشابكي على تلك العوامل، بالمثال الواقعي التالي: (يقول أحد الموقوفين، أنه كان دائما على خلاف مع والده في المرحلة الثانوية، "عامل اجتماعي أسري" والذي يرغب أن يلتحق بتخصص دراسي معين، لكنه لا يرغب في هذا التخصص ويحبذ تخصص آخر "عامل تعليمي"، ورغبة في تحقيق رغبة والده وإنهاء الخلاف معه التحق بالتخصص الذي رشحه والده، "عامل تعليمي ـ اجتماعي أسري". ولكن لم ينته خلاف مع والده "عامل اجتماعي أسري"، لذلك فكر هذا الشاب في الهروب من هذا الواقع نتيجة الصراع النفسي "عامل نفسي". وراودته فكرة الذهاب إلى العراق. ولذلك سأل مدرس التربية الاسلامية ليبحث له عن المخرج إلى العراق "عامل اجتماعي ديني ـ تعليمي". وبعد مهلة من الوقت لأيام حتى أوصله المعلم إلى أشخاص يمارسون الأعمال الإرهابية في الداخل، ولم يكن له سابق معرفة بهم، وكانت بداية عمله معهم أن طلبوا منه شراء سيارة باسمه وثمنها من عندهم وكان ذلك، وبعد استخدام السيارة من قبلهم أخبروه أن السيارة قد تكون مطلوبة للجهات الأمنية لأنه تم استخدامها ضد رجال الأمن، والسيارة باسمه، ولذلك قد يتم القبض عليه، وما كان من حلّ أمامه حسب توصيتهم إلاّ الاختفاء معهم فكان ذلك، ولم يخبر والده بكل تلك الأمور التي استجدت معه خوفاً لضعف شخصيته "عامل نفسي". وكانت المرحلة التالية بتعليمه وتلقينه التكفير ضد السلطة، ولم يكن على علم من السابق بمعنى التكفير، وأمتثل لهم في قناعاتهم التكفيرية، تلى تلك المرحلة الثالثة بتسليمه السلاح وتدريبه عليه بحجة الدفاع عن النفس وكان ذلك، ثم كانت المرحلة الاخيرة في الممارسة العملية بالمواجهة مع الجهات الأمنية ومقاومتها، وقد أصيب في تلك المواجهة).

يلاحظ من المثال السابق كيف تتعدد العوامل، وتتشابك فيما بينها، حيث يتبين أن الطالب لديه ضعف في الشخصية وعدم تقديراً للذات، وهو بالتالي يعتمد على غيره في تقرير مصيره، كما أن لديه جهل ديني، إذ لم يُوفق في اختار رجل الدين الذي يمكن أن يستشيره، وإنما أعتمد على العلاقة العلمية بالمعلم الذي يجهل حقيقة تدينه، كذلك يتبين ضعف الثقة بينه وبين أسرته، لأنه لم يطلعها بمشورة المعلم، ورضي بالتخفي عن الأسرة والمدرسة حسب توجيه المعلم، ولم يخبرها كذلك بما آل إليه وضعه عندما افصحت الخلية أنه أصبح فرداً منها وعليه المشاركة في عملياتها.

 أيضًا يلاحظ أن الأسرة أصرت على رغبتها استجابة للعرف أو الواقع الاجتماعي الذي ينظر بإعجاب لذوي التخصصات العلمية دون احترام قدرات الطالب ورغباته. ثم بالنظر إلى المعلم كأحد أركان البيئة التعليمية، لكنه استفاد من موقعه أو تخصصه الديني ليؤثر على الطالب ويجذبه للتجنيد.. وهكذا. ولذا يتبين بروز أكثر من عامل في هذه المشكلة، بدأت تعليمية ثم أسرية ثم اجتماعية، فنفسية، ودينية، وانتهاء بالتجنيد والانضمام لجماعة التطرف العنيف.

صفوة القول: نقول إن الفكر المتطرف والسلوك الإرهابي والعنيف الذي يعتنقه الشباب، لم يأت اعتباطًا ولم ينشأ جزافًا بل له دوافعه وأسبابه، ولذلك لا نستطيع الجزم بأن هناك دافعاً أو سببًا واحدًا أدى إلى ظهور هذا الفكر المتطرف العنيف، وعليه فإنّ الإرهاب فكراً وسلوكاً، على اختلاف أهدافه ووسائله، هو نتيجة لعوامل مختلفة متعدّدة، عنوانها الرئيسي (المزاوجة بين النفسية والاجتماعية). ومن المتفق عليه أنّ دراسة هذه العوامل (الدوافع والأسباب) مهمّة صعبة، إمّا لأن ظاهرة الإرهاب بظروفها الفكرية والسلوكية ظاهرة معقدة بتعقد عناصرها وأساليبها، وأما لأنّها تستلزم الغور والتعمق في معظم المشكلات المعقدة التي تواجه الأفراد والمجتمع الدولي على حدّ سواء، والتي تكمن فيها عوامل التطرف والإرهاب.

وعليه، فإنه يجب تناول مشكلة توجه الشباب إلى مناطق الصراع والالتحاق بجماعات التطرف العنيف، بالاتكاء على وجهة النظر النفسية والبيئية، وهي الأقرب إلى التفسير المنطقي، بدلائل مهمة تم استنتاجها من الميدان الأمني في مساراته المختلفة، لاسيما وأن القرب من الكثير من هذه الفئة من الشباب في السجون قد أتاح فرصة جمع الكثير من المعلومات المهمة التي تخدم هذا الاتجاه. ولذلك فإن التعويل على أن الفكر أو التدين هو الأساس الدافع للسفر بحجة الجهاد، ينقصه الكثير من الدقة والدلالة، بل قد يكون ذلك تجني على الدين الإسلامي، وهذا ما يسعى إليه أعداء الإسلام أياً كانت ديانتهم أو اتجاهاتهم أو أهدافهم.

وليس المقصود تجاهل الفكر أو التدين، أو استبعاده نهائياً أو نفي وجوده كعامل مصاحب أو مشجع مع عوامل أخرى، لكنه مع العديد من العوامل يمثل بواعث وأسباب تستثير الدوافع النفسية الداخلية الضاغطة على الشخصية، والتي تبحث في التخفيف عن هذه الضواغط، وذلك بالهروب نحو السبل التي تخفف من تلك الضغوط، كالاتجاه إلى استخدام المسكر أو المخدرات، أو الاتجاه نحو الدول التي تعيش صراعات واقتتال، هروباً من الواقع المؤلم نفسياً، وسعياً لتخفيف الضغوط.

_____________________________

باحث ومهتم بقضايا التطرف وإعادة التأهيل والادماج